تركيا تستدعي (الأستاذ) بعد خمس سنوات..
داود أوغلو أمام النيابة بتهمة (إهانة الرئيس).. وفيديو قديم يفتح باب الأسئلة عن توقيت القضية وما وراءها

تركيا تستدعي (الأستاذ) بعد خمس سنوات..
داود أوغلو أمام النيابة بتهمة (إهانة الرئيس).. وفيديو قديم يفتح باب الأسئلة عن توقيت القضية وما وراءها

اسطنبول – سدن

في واقعة غير مألوفة في التاريخ السياسي للجمهورية التركية، وقف رئيس وزراء سابق، الاثنين، أمام النيابة العامة في أنقرة بصفة (مشتبه فيه)، لا في قضية تتعلق بفترة حكمه أو بقرار اتخذه وهو على رأس الحكومة، وإنما بسبب تصريحات سياسية أدلى بها قبل نحو خمس سنوات وانتقد فيها الرئيس رجب طيب إردوغان وطريقة إدارة السلطة والمال العام.

أحمد داود أوغلو، رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق، وأحد أبرز العقول التي صاغت سياسة حزب العدالة والتنمية خلال سنوات صعوده، أدلى بإفادته في التحقيق المفتوح بحقه بموجب المادة 299 من قانون العقوبات التركي، المتعلقة بـ(إهانة رئيس الجمهورية)، لكن القضية، منذ لحظة الإعلان عنها، ولّدت سؤالاً سياسياً يكاد يطغى على سؤالها القانوني: لماذا الآن؟

فالتصريحات التي تحقق فيها النيابة لم تقل سراً، ولم تكتشف حديثاً، ولم تظهر في تسجيل مسرب خرج للتو من خزائن مجهولة.

إنها تصريحات علنية تعود إلى سبتمبر/أيلول 2021، تداولتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في حينها، وبقيت متاحة طوال نحو خمس سنوات، قبل أن يعاد تداول المقطع أخيراً، فتتحرك النيابة العامة من تلقاء نفسها وتفتح تحقيقاً رسمياً.

وهذه الفجوة الزمنية تحديداً هي التي دفعت أوساطاً إعلامية وسياسية تركية إلى التساؤل عما إذا كان الملف قضائياً صرفاً، أم أن إعادة الفيديو القديم إلى الواجهة جاءت في توقيت سياسي له حساباته الخاصة.

أنا وراء كل كلمة

وبحسب ما نشر من إفادته، لم يتراجع داود أوغلو أمام النيابة عن مضمون تصريحاته القديمة، بل أكد أن الحديث موضوع التحقيق كان خطاباً سياسياً ألقاه في بينغول عام 2021، وأنه ما زال متمسكاً بمضمونه، معتبراً أنه لم يرتكب جريمة، وإنما مارس حقه الدستوري وأدى مسؤوليته السياسية.

وكان داود أوغلو قد تحدث آنذاك بلهجة شديدة عن الفساد والإثراء غير المشروع، وقال إنه لم يكسب خلال وجوده في السلطة (قرشاً واحداً بصورة غير مشروعة)، واتهم مسؤولين جاؤوا بعده بتحقيق ثروات وإثراء المحيطين بهم، كما انتقد تعيين براق البيرق، صهر الرئيس إردوغان، وزيراً، وتحدث عن منح عدد محدود من كبار المقاولين نفوذاً اقتصادياً واسعاً، وهي اتهامات سياسية ثقيلة بالتأكيد، لكنها لم تكن مجهولة أو مستترة، فقد عرفتها تركيا منذ سنوات.

من أعاد بث الشريط؟

في الأوساط المعارضة، ثمة من يقرأ القضية من خارج نص المادة 299، فالحديث يعود إلى مرحلة كانت فيها خلافات داود أوغلو مع إردوغان قد أصبحت علنية تماماً، وكان رئيس الوزراء السابق قد غادر حزب العدالة والتنمية وأسس حزب المستقبل، ولم يكن يخفي انتقاداته لإدارة الدولة أو حديثه عن الفساد والمحسوبية.

لذلك يسأل أصحاب هذه القراءة، إذا كانت الكلمات تشكل جريمة تستوجب التحقيق، فلماذا لم تتحرك النيابة في 2021 أو 2022 أو 2023؟ ولماذا أعيد تداول التسجيل تحديداً الآن، بعد انسحاب داود أوغلو من العمل الحزبي وحل حزب المستقبل؟ ومن المستفيد من إعادة فتح مواجهة بين الرئيس إردوغان ورجل يعرف ربما أكثر من معظم خصوم الرئيس التركي، تفاصيل سنوات الحكم من داخل الغرفة لا من خارجها؟

لا توجد، حتى الآن، أدلة منشورة تسمح بالجزم بوجود عملية سياسية منظمة خلف القضية، لكن غرابة التوقيت وحدها كانت كافية لإطلاق نظريات متعددة في الصحافة والأوساط المعارضة، بينها أن إعادة التسجيل إلى التداول قد لا تكون عفوية، وأن هناك من يريد إعادة داود أوغلو إلى ساحة المواجهة أو دفعه إلى الكلام عن ملفات ظل طوال السنوات الماضية يتحدث عنها بحذر.

وتذهب قراءات أبعد إلى أن حساسية داود أوغلو لا تكمن في كونه زعيم معارضة سابقاً، بل في كونه شاهداً من داخل البيت، فالرجل لم يكن سياسياً يقف على الضفة المقابلة للرئيس اردوغان طوال حياته، بل كان مستشاره، ثم وزير خارجيته، ثم رئيس حزبه، ثم رئيس حكومته، وبالتالي فهو يعرف كيف كانت القرارات تصنع، ومن كان يجلس إلى الطاولة، وكيف نشأت شبكات المصالح، وأين بدأت خلافاته مع الرئيس، وهذا ما يجعل أي استدعاء له مختلفاً عن استدعاء سياسي معارض تقليدي.

دعم سياسي أمام المحكمة

لم يذهب داود أوغلو إلى النيابة وحيداً، فقد حضر إلى محكمة أنقرة لدعمه رئيس حزب الديمقراطية والتقدم علي باباجان، ورئيس حزب السعادة محمود أربكان، إلى جانب شخصيات سياسية أخرى، في مشهد حمل دلالة تتجاوز التضامن الشخصي، وباباجان نفسه شغل مواقع رفيعة في حكومات العدالة والتنمية، وكان وزيراً للاقتصاد والخارجية ونائباً لرئيس الوزراء، ما جعل صورة الرجلين أمام القضاء تستعيد، بطريقة شديدة الرمزية، جانباً من قصة الجيل الذي صنع سنوات الصعود الأولى للحزب قبل أن يفترق عن الرئيس إردوغان.

أما داود أوغلو فاختار، بعد خروجه من جلسة الاستماع، لغة محسوبة، فقد أكد احترامه للقضاء، وامتنع عن تحويل بوابة المحكمة إلى منصة لمهاجمة الدولة، لكنه سجل اعتراضاً بالغ الدلالة، قائلاً إن الجمهورية التركية تشهد للمرة الأولى استدعاء رئيس وزراء سابق بصفة مشتبه فيه بسبب رأي سياسي وانتقادات عبر عنها.

(الأستاذ) الذي خرج من الباب الكبير

ولقب (الأستاذ) لم يكن مجرد مجاملة حزبية لداود أوغلو، فهو الأكاديمي وأستاذ العلاقات الدولية الذي انتقل من الجامعة إلى قلب صناعة السياسة الخارجية التركية، وكان مهندساً لمرحلة كاملة من تحولات أنقرة الإقليمية قبل أن يصبح وزيراً للخارجية ثم رئيساً للوزراء ورئيساً لحزب العدالة والتنمية بعد انتقال إردوغان إلى رئاسة الجمهورية عام 2014.

لكن العلاقة بين الرجلين انهارت تدريجياً، وانتهت باستقالة داود أوغلو من رئاسة الحزب والحكومة عام 2016، ثم خروجه نهائياً من العدالة والتنمية وتأسيس حزب المستقبل عام 2019.

وفي يوليو/تموز الماضي، أعلن بصورة مفاجئة حل الحزب والابتعاد عن العمل السياسي الحزبي، متحدثاً عن (فساد المناخ السياسي) وحاجته إلى وضع (مسافة أخلاقية) بينه وبين هذا المناخ، وما هي الا أسابيع قليلة، حتى عاد اسمه إلى صدارة المشهد، ولكن هذه المرة، من باب النيابة العامة.

وقانونياً، ستقرر المؤسسات القضائية التركية ما إذا كانت كلمات داود أوغلو تندرج تحت حرية النقد السياسي أم تتجاوزها إلى الجريمة المنصوص عليها في المادة 299.

أما سياسياً، فالقضية أصعب كثيراً في فصلها عن توقيتها، لأن الملف الذي احتاج إلى ساعات كي ينتشر مجدداً على مواقع التواصل، احتاج قبل ذلك إلى نحو خمس سنوات حتى يصل إلى مكتب المدعي العام.

وهنا لا يحتاج المرء إلى تبني نظرية مؤامرة حتى يسأل السؤال الذي يسأله اليوم جزء من الشارع السياسي والإعلامي التركي: من أعاد فتح الصندوق القديم؟ ولماذا اختار هذه اللحظة بالذات؟