يفتح باب التسوية مع الفصائل..
المالكي يبدل قاموس السلاح: (الاحتواء) بدلاً من (النزع)

يفتح باب التسوية مع الفصائل..
المالكي يبدل قاموس السلاح: (الاحتواء) بدلاً من (النزع)

بغداد – سدن

أعادت تصريحات رئيس الوزراء العراقي الأسبق وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، بشأن مستقبل سلاح الفصائل المسلحة، فتح النقاش حول طبيعة التسوية التي يجري إعدادها لمرحلة ما بعد 30 أيلول، بعدما أبدى تحفظاً على استخدام تعبير (نزع السلاح)، مفضلاً الحديث عن (تنظيمه) أو (احتوائه)، في تحول لغوي يحمل، بحسب باحث سياسي، دلالات تتجاوز اختيار المصطلحات إلى تعريف ما تعنيه الدولة فعلياً بحصر السلاح.

وقال المالكي، خلال مقابلة مع قناة (الشرقية)، إن معالجة ملف الفصائل تحتاج إلى الحوار والتفاهمات، مشيراً إلى أن وصف الفصائل بأنها (منزوعة السلاح) يترك آثاراً نفسية وعملية عليها، فيما تحدث عن التمييز بين الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة عند بحث مستقبل الترسانة الموجودة خارج القوات النظامية.

كما شدد على انتهاء (لغة التحدي والتهديد والوعيد) بين الحكومة والفصائل، مؤكداً أن الحكومة ليست ضعيفة، وفي الوقت نفسه لا مصلحة في الذهاب إلى مواجهة مع الجماعات المسلحة.

ويرى الباحث السياسي الدكتور أحمد البياتي أن أهمية المقابلة لا تكمن في دفاع المالكي عن الحوار، وإنما في محاولته إعادة تعريف المشكلة نفسها.

وقال البياتي لـ(سدن) إن "الفرق بين حصر السلاح واحتوائه ليس لغوياً، فحصره يعني أن الدولة وحدها تملك القوة المنظمة وقرار استخدامها، بينما يمكن أن يعني الاحتواء بقاء التنظيم والسلاح والكوادر، ولكن ضمن تفاهمات وقيود تمنع استخدامها خارج سقف معين".

وأضاف أن "المالكي يبدو أقرب إلى البحث عن تسوية تحفظ للدولة سيادتها، وفي الوقت نفسه تمنع الفصائل من الشعور بأنها خرجت مهزومة أو أُجبرت على الاستسلام، ولهذا اكتسب حديثه عن الأثر النفسي لمصطلح نزع السلاح أهمية سياسية".

30 أيلول.. محطة لا نهاية

وتكتسب تصريحات المالكي أهمية خاصة مع اقتراب موعد 30 أيلول، الذي تحول خلال الأشهر الماضية إلى نقطة مركزية في النقاش المتعلق بانتهاء مهمة التحالف الدولي ومستقبل سلاح الفصائل.

لكن حديث رئيس الوزراء الأسبق يوحي، وفق البياتي، بأن هذا التاريخ لن يكون موعداً آلياً لتسليم السلاح أو اختفاء الفصائل، وإنما بداية مرحلة تفاوضية جديدة.

وقال البياتي إن "السؤال الحقيقي لن يكون ماذا يحدث في 30 أيلول، بل ماذا ستفعل الحكومة في الأول من تشرين الأول إذا بقيت الفصائل بهياكلها وسلاحها وقدرتها على اتخاذ قرار عسكري مستقل".

وأضاف، "يمكن للدولة أن تقبل مراحل انتقالية، وأن تميز بين السلاح الثقيل والخفيف، وأن تقدم ضمانات للمقاتلين، لكن المعيار النهائي يبقى واحداً، من يمتلك قرار إطلاق النار؟".

تسوية تحفظ ماء الوجه

وتشير تصريحات المالكي أيضاً إلى طبيعة المهمة التي تقوم بها اللجنة المكلفة بالحوار مع الفصائل، والتي تضم إلى جانبه رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني وزعيم منظمة بدر هادي العامري.

وبحسب قراءة البياتي، فإن اللجنة تبدو أقرب إلى البحث عن "تسوية داخل البيت الشيعي" تمنع الصدام وتحقق الحد الأدنى المطلوب من احتكار الدولة للقوة، من دون الذهاب إلى تفكيك شامل وفوري للفصائل.

وقال إن "الحديث عن التنظيم والاحتواء والضمانات ومستقبل عناصر الفصائل يعني أن الملف تجاوز منذ مدة مسألة جمع الصواريخ والمسيرات، وأصبح صفقة سياسية وأمنية متكاملة تشمل السلاح والمقاتلين والملاحقات والتمويل والمستقبل السياسي لهذه الجماعات".

وكان مكتب المالكي قد سارع، عقب الجدل الذي أثارته المقابلة، إلى التأكيد أن تصريحاته "فُهمت بشكل خاطئ"، وأن موقفه من حصر السلاح بيد الدولة لم يتغير، موضحاً أن العملية تحتاج إلى وقت وتفاهمات وضمانات ولا يمكن إنجازها دفعة واحدة.

ويرى البياتي أن التوضيح نفسه يعكس حساسية الملف، قائلاً إن "المشكلة ليست في كلمة نزع أو احتواء، وإنما في النتيجة، فهل ستبقى هناك جهة عراقية مسلحة تستطيع إصدار أمر عسكري من دون العودة إلى القائد العام للقوات المسلحة؟".

الاختبار في الأول من تشرين

ويعتقد البياتي أن مقابلة المالكي كشفت أيضاً عن اختلاف في المقاربة داخل المنظومة السياسية، فبينما تريد حكومة علي الزيدي ترجمة مرحلة ما بعد انسحاب قوات التحالف إلى تقدم ملموس في احتكار الدولة للسلاح، يبدو المالكي أكثر اهتماماً بمنع المواجهة والوصول إلى تسوية تدريجية.

وختم بالقول "يمكن دمج المقاتلين، وتسجيل الأسلحة، ووضع الصواريخ في مخازن الدولة، وإعادة هيكلة التشكيلات، لكن كل ذلك لا يكفي إذا بقي القرار العسكري موزعاً، فالدولة تبدأ عندما يصبح أمر البندقية واحداً".

ولذلك، فإن الاختبار الفعلي لملف السلاح قد لا يكون في 30 أيلول، بل في صباح الأول من تشرين الأول، حين لن يكون السؤال الأهم كم جندياً أجنبياً غادر العراق، وإنما كم بندقية عراقية بقيت قادرة على إطلاق النار بأمر من جهة لا تحمل اسم الدولة.