أثارت التحولات المتسارعة والمربكة في سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران والخليج حالة من الابتهاج داخل طهران، حيث تحاول السلطات الإيرانية تقديم التعليق المفاجئ لمشروع “الحرية” الأميركي – الهادف إلى إعادة فتح مضيق هرمز – باعتباره دليلاً على أن الجمهورية الإسلامية نجحت في إحكام قبضتها على أهم ممر مائي استراتيجي في العالم، وأجبرت الولايات المتحدة على التراجع.
ويأتي هذا الخطاب الاحتفالي في وقت تواجه فيه القيادة الإيرانية صعوبة متزايدة في احتواء الأسئلة المتصاعدة حول مصير الزعيم الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، وحالته الصحية وموقعه الحقيقي داخل النظام.
وفي السابع من مايو 2026، نشرت منصة “نور نيوز” المقربة من مجلس الأمن القومي الإيراني تحذيراً شديد اللهجة قالت فيه:
“لو كان بالإمكان إعادة فتح مضيق هرمز بهذه السهولة والسذاجة، لما شهدنا كل هذه التراجعات المتكررة. الحساب الخاطئ المقبل قد يحمل عواقب تتجاوز قدرتكم على السيطرة”.
وسخرت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية عدداً كبيراً من السياسيين والأكاديميين لتأكيد رواية مفادها أن الجمهورية الإسلامية تمكنت من “إخضاع” أعظم قوة عسكرية في العالم.
وهذه الرواية تمثل حاجة ملحة لنظام فقد زعيمه الأعلى علي خامنئي، وخسر جزءاً مهماً من قدراته العسكرية، ويواجه حصاراً بحرياً خانقاً.
لكن التراجع المفاجئ في سياسة ترامب – والذي قيل إنه جاء نتيجة رفض السعودية السماح باستخدام مجالها الجوي في العمليات المتعلقة بمضيق هرمز – تسبب في حالة ارتباك واسعة داخل أوساط المعارضة الإيرانية.
فما بدا، قبل شهرين فقط، حملة أميركية – إسرائيلية حاسمة تهدف إلى دفع الجمهورية الإسلامية نحو الانهيار أو الاستسلام، بدأ يبدو اليوم وكأنه مرحلة من التردد والتراجع، بما قد يمنح قادة طهران شعوراً متزايداً بالثقة.
وحتى الحكومة الإسرائيلية بدت أكثر صمتاً في المرحلة الأخيرة، متجنبة توجيه تهديدات مباشرة لطهران، كما امتنعت علناً عن معارضة التحولات المتكررة في موقف ترامب.
وفي الداخل الإيراني، بدأ كثيرون – ممن باتوا خلال السنوات الأخيرة يثقون بإسرائيل أكثر من الولايات المتحدة في مواجهة النظام الإيراني – يتساءلون عن سبب تراجع ترامب عن النهج المتشدد الذي لطالما دعا إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وفي المقابل، يصر المسؤولون الإسرائيليون على أن التنسيق مع واشنطن لا يزال قائماً، رغم تزايد المؤشرات على وجود تباينات بشأن أسلوب التعامل مع طهران.
أما صناع القرار الحقيقيون داخل إيران، الذين يحاولون إدارة المشهد الإعلامي والسياسي بالتوازي مع احتواء الغموض المحيط بقيادة البلاد، فقد نقلوا عن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قوله، في السابع من مايو، إنه عقد اجتماعاً مطولاً مع مجتبى خامنئي.
ويبدو أن هذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها مسؤول إيراني رفيع المستوى أنه التقى شخصياً بالزعيم الجديد وتحدث معه مباشرة.
ومنذ قصف المجمع الذي كان يقيم فيه والده علي خامنئي في الثامن والعشرين من فبراير، خلال الدقائق الأولى من الحملة الجوية الأميركية – الإسرائيلية، لم يظهر مجتبى خامنئي علناً، ولم يسمع له أي تسجيل أو خطاب مباشر.
ويعتقد كثيرون أنه أصيب بعجز خطير أو بجروح بالغة، فيما تشير تقارير إلى أن الحرس الثوري الإيراني يفرض سيطرة كاملة على الوصول إليه، ويتولى إصدار البيانات باسمه.
وقدمت وسائل الإعلام الرسمية الاجتماع المزعوم بوصفه محاولة سياسية ورمزية لتعزيز شرعية مجتبى خامنئي، في وقت تتصاعد فيه التكهنات حول وضعه الصحي ودوره الحقيقي.
وبحسب الرواية المنسوبة إلى بزشكيان، فقد استمر الاجتماع نحو ساعتين ونصف، وجرت أجواؤه بصورة “هادئة ودافئة وشخصية للغاية”.
كما حرص الرئيس الإيراني على تصوير مجتبى خامنئي كشخص متواضع وصادق وقريب من الناس، ويشجع النقاش المباشر والصريح، معتبراً أن سلوكه يجب أن يشكل نموذجاً للنظام الإيراني، في خطاب يركز بصورة متزايدة على مفاهيم الوحدة والثقة والمسؤولية، في محاولة واضحة لترسيخ شرعيته.
لكن ما إذا كان بزشكيان التقى مجتبى خامنئي وجهاً لوجه، أو عبر اتصال افتراضي، أو حتى بصورة غير مباشرة، يبقى أمراً غير واضح.
كما أن رواية الرئيس الإيراني لم تتضمن أي تفاصيل تتعلق بالحالة الصحية لمجتبى خامنئي، رغم أسابيع طويلة من التكهنات حول حجم إصاباته.
وفي هذا السياق، قال صحفي إيراني مستقل يقيم في ألمانيا، ويؤكد اقتناعه بأن مجتبى خامنئي توفي بالفعل، إن تأخر إعلان وفاته يعكس صراعاً داخلياً بين أجنحة النظام على السيطرة على الإمبراطورية المالية الضخمة المرتبطة بمكتب والده.
وكان علي خامنئي يُنظر إليه منذ سنوات باعتباره مشرفاً على عشرات مليارات الدولارات من الأصول والاستثمارات داخل إيران وخارجها، عبر مؤسسات وشبكات مالية وشبه حكومية مرتبطة بمؤسسة “المرشد”.
ويرى الصحفي أن جزءاً كبيراً من الثروة المرتبطة بدائرة آية الله روح الله الخميني انتقل إلى علي خامنئي بعد وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية، وأن أجنحة داخل النظام تخشى اليوم أن يؤدي الإعلان الرسمي عن وفاة مجتبى خامنئي إلى انتقال السيطرة على هذه الثروة الهائلة إلى رجل دين ضعيف أو محدود النفوذ قد يجري اختياره مرشداً أعلى جديداً لإيران.