واشنطن – سدن
في السياسة الأمريكية، دائماً ما تتحول الأرقام، مهما كانت صادمة، إلى مادة للصراع الحزبي، حيث يسارع كل طرف إلى إعادة تفسيرها بما يخدم روايته الانتخابية. وهذا ما يحدث اليوم تماماً مع ملف الجريمة، الذي كان حتى وقت قريب أحد أكثر الأسلحة فعالية بيد الجمهوريين ضد الديمقراطيين.
لكن المشهد بدأ يتغير بصورة أربكت الطرفين معاً.
فبحسب بيانات حديثة صادرة عن رابطة رؤساء المدن الكبرى الأمريكية، والتي استندت إلى تقارير 67 جهازاً أمنياً ووكالة إنفاذ قانون، سجلت الولايات المتحدة خلال الربع الأول من عام 2026 انخفاضاً واسعاً في معدلات الجريمة العنيفة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وتراجعت جرائم القتل بنسبة قاربت 18%، فيما انخفضت عمليات السطو بأكثر من 20%، إلى جانب تراجع الاعتداءات الخطيرة وجرائم الاغتصاب بنسب متفاوتة، في ظاهرة شملت معظم المدن الأمريكية الكبرى، من الساحل الشرقي حتى الغربي.
وكانت واشنطن العاصمة من أكثر المدن التي أثارت الانتباه، بعدما سجلت انخفاضاً هائلاً في الجرائم العنيفة تجاوز 64%، فيما شهدت مدن مثل فيلادلفيا وسان دييغو ونيويورك وهيوستن وممفيس تراجعات لافتة في معدلات القتل والجريمة المنظمة.
هذه الأرقام لا تبدو عادية في بلد عاش خلال السنوات الماضية حالة قلق أمني متصاعد، خصوصاً بعد موجات العنف والاضطرابات التي رافقت مرحلة ما بعد جائحة كورونا، وتصاعد الجدل حول الهجرة والسلاح والشرطة والإصلاحات القضائية.
والأهم من ذلك، أن ملف الجريمة كان أحد الأعمدة الرئيسية التي بنى عليها دونالد ترامب حملته الانتخابية للعودة إلى البيت الأبيض عام 2024، حين قدّم المدن التي يديرها الديمقراطيون باعتبارها نموذجاً للفوضى والانهيار الأمني.
بل إن ترامب ذهب أبعد من الخطاب السياسي التقليدي، حين أرسل قوات فيدرالية إلى عدد من المدن الكبرى عام 2025، تحت عنوان استعادة الأمن ومواجهة الجريمة، مستنداً إلى خطاب انتخابي يقوم على فكرة أن أمريكا فقدت السيطرة على شوارعها.
لكن المفارقة التي تواجه واشنطن اليوم، أن المدن ذاتها التي استُخدمت كرموز للانهيار الأمني، باتت تعرض أرقاماً تقول العكس تماماً.
فمدينة أورورا في ولاية كولورادو، التي تحولت خلال حملة ترامب إلى عنوان دائم للتحذير من «فوضى المهاجرين الفنزويليين»، سجلت واحدة من أكبر نسب انخفاض جرائم القتل في البلاد، ولهذا، تحولت المعركة سريعاً من سؤال: «هل تراجعت الجريمة؟» إلى سؤال أكثر حساسية: «من يحق له أن ينسب الفضل في ذلك؟».
الجمهوريون يقولون إن التشدد الأمني، وزيادة حضور الأجهزة الفيدرالية، والرسائل الصارمة التي تبنتها إدارة ترامب، هي السبب الحقيقي وراء هذا التحسن.
أما الديمقراطيون، فيرون أن الأرقام تثبت أن الخطاب الجمهوري القائم على التخويف والمبالغة لم يكن دقيقاً، وأن المدن التي يديرونها استعادت استقرارها من دون الحاجة إلى تحويل أمريكا إلى دولة أمنية.
وتزداد أهمية هذا السجال مع اقتراب انتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر 2026، حيث سيصوت الأمريكيون على كامل مجلس النواب وثلث مجلس الشيوخ، في انتخابات تعد تقليدياً استفتاءً مباشراً على أداء الرئيس والحزب الحاكم.
وفي العادة، يدفع الحزب الموجود في البيت الأبيض ثمن أي تراجع اقتصادي أو أمني أو اجتماعي خلال الانتخابات النصفية. لكن تعقيد المشهد الحالي يتمثل في أن التحسن الأمني قد يسحب من المعارضة واحدة من أكثر أوراقها تأثيراً على الناخب الأمريكي.
ومع ذلك، لا تبدو الصورة وردية بالكامل.
فبعض المدن الأمريكية لا تزال تسجل ارتفاعاً في أنواع محددة من الجرائم، كما تحذر أجهزة الشرطة من أن أشهر الصيف تاريخياً تشهد ارتفاعاً في مستويات العنف داخل المدن الكبرى، وسط مخاوف من أن تكون الأرقام الحالية مجرد هدنة مؤقتة، لا تحولاً دائماً.
ورغم ذلك، فإن ما يحدث الآن يكشف حقيقة أعمق داخل السياسة الأمريكية: أحياناً تصبح المشكلة الحقيقية ليست في الجريمة نفسها، بل في الجهة التي تملك حق رواية قصتها أمام الناخبين.