طهران لم تعد تُحكم بالطريقة التي عرفها العالم طوال العقود الماضية.. فالحرب الأميركية – الإسرائيلية الأخيرة لم تضرب فقط البنية العسكرية الإيرانية، بل أصابت قلب النظام نفسه، بعدما قُتل علي خامنئي وعدد من كبار قادة الحرس الثوري، ودخل مجتبى خامنئي إلى المشهد وسط إصابة وغموض وغياب شبه كامل عن الصورة العامة.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد السلطة في إيران مركزاً واضحاً يمكن اختزاله في شخص أو مؤسسة واحدة، بل تحولت إلى منظومة متداخلة من الشبكات الأمنية والعسكرية والسياسية، تتصارع أحياناً وتتعاون أحياناً أخرى، داخل دولة تعيش عملياً حالة إدارة حرب دائمة.
إيران اليوم.. دولة متعددة الرؤوس والحقيقة معقدة
الخطأ الأكبر في قراءة المشهد الإيراني الحالي هو الاعتقاد بأن الحرس الثوري استولى بالكامل على السلطة، أو أن مجتبى خامنئي أصبح الحاكم المطلق، أو أن شخصيات مثل محمد باقر قاليباف باتت تدير الدولة منفردة.
فالسلطة الإيرانية اليوم موزعة بين مكتب المرشد، وقيادة الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي، والمؤسسة العسكرية، والشبكات الأمنية المرتبطة بمراكز النفوذ القديمة والجديدة.
وفي زمن الحروب، لا تعمل هذه المؤسسات بطريقة هرمية تقليدية، بل ضمن شبكة طوارئ متداخلة، حيث تمتلك كل جهة جزءاً من القرار، من دون أن تنفرد أي جهة بالقرار النهائي.
مجتبى خامنئي.. المرشد الغائب
أكبر معضلة تواجه النظام الإيراني حالياً ليست فقط في إعادة ترتيب السلطة، بل في طبيعة موقع مجتبى خامنئي نفسه.
فالرجل الذي ورث الموقع الأعلى في الدولة، دخل إليه وسط اتهامات بالتوريث السياسي، ومن دون الرصيد الرمزي والسياسي الذي امتلكه والده لعقود.
والأخطر أن مجتبى، منذ توليه الموقع، لم يظهر بصورة واضحة أو خطاب علني مؤثر، فيما تتحدث تقارير عن إصابته خلال الهجمات الأخيرة، الأمر الذي عمق الغموض بشأن وضعه الصحي والسياسي.
هذا الغياب خلق مفارقة خطيرة داخل النظام:
الشرعية الرسمية ما تزال تمر عبر مكتب المرشد، لكن القوة التنفيذية الفعلية انتقلت تدريجياً إلى النواة الأمنية – العسكرية.
بمعنى آخر: أن مجتبى يمتلك "الختم"، لكن الآخرين يمتلكون أدوات السيطرة على الأرض.
حسين طائب.. عودة رجال الدولة العميقة
في قلب هذا المشهد، تعود أسماء كانت تبدو وكأنها خرجت من الواجهة، وفي مقدمتها حسين طائب، الرجل الذي ينظر إليه باعتباره أحد أبرز مهندسي الدولة الأمنية داخل إيران.
ورغم إبعاده سابقاً عن قيادة استخبارات الحرس الثوري، فإن المعطيات تشير إلى أنه ما يزال جزءاً من الحلقة الأمنية الضيقة المحيطة بمركز القرار، خصوصاً في الملفات الداخلية الحساسة.
وخلال مرحلة ما بعد الحرب، برزت هذه الشبكات الأمنية أكثر من أي وقت مضى، لأنها أصبحت تمثل العصب الحقيقي للدولة في ظل اهتزاز البنية التقليدية للسلطة.
الحرس الثوري.. قوة ضخمة لكن ليست موحدة
ولا يزال “الحرس الثوري” هو العمود الفقري للنظام الإيراني، فهو يسيطر على القوة الصاروخية، والطائرات المسيرة، والأمن الداخلي، والشبكات الاقتصادية، والتمدد الإقليمي عبر الفصائل الحليفة.
لكن الصورة الشائعة عن الحرس باعتباره كتلة واحدة صلبة لم تعد دقيقة بالكامل، فعلى مدى السنوات الماضية، تشكلت داخل المؤسسة شبكات متنافسة، بعضها مرتبط بالاقتصاد، وبعضها بمكتب المرشد، وبعضها بقيادات عسكرية، وأخرى بشخصيات سياسية نافذة، ومع الخسائر التي تعرض لها الحرس خلال الحرب الأخيرة، بدأت هذه التوازنات تهتز بصورة أكبر، خصوصاً مع صعود أجيال جديدة داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية.
أحمد وحيدي ومرحلة الدولة الأمنية
في أوقات الأزمات الكبرى، تميل الدول عادة إلى نقل القرار من المؤسسات المدنية إلى المراكز العسكرية والأمنية، وهذا بالضبط ما يحدث في إيران حالياً.
فأحمد وحيدي، الذي يقود الحرس الثوري في هذه المرحلة، أصبح جزءاً أساسياً من معادلة إدارة الدولة، لا باعتباره قائداً عسكرياً فقط، بل باعتباره شريكاً مباشراً في صياغة القرار السياسي والأمني.
لكن حتى هذا النفوذ الواسع لا يعني أن الحرس يحكم منفرداً، لأن القرار الإيراني ما يزال يمر عبر شبكة معقدة من المؤسسات والهيئات الأمنية والعسكرية والسياسية.
(خاتم الأنبياء).. غرفة الحرب الحقيقية
بعيداً من الواجهة السياسية التقليدية، برز مقر (خاتم الأنبياء) باعتباره أحد أهم مراكز القيادة خلال الحرب الأخيرة، فهذه القيادة العسكرية، التي يديرها علي عبداللهي، تحولت عملياً إلى غرفة العمليات المركزية لإدارة المواجهة العسكرية والتنسيق بين “الحرس” والجيش الإيراني، وهنا يظهر جانب آخر من تعقيد السلطة الإيرانية، انه حتى المؤسسة العسكرية نفسها ليست موحدة بالكامل، بل موزعة بين مراكز قيادة متعددة تعمل ضمن توازنات دقيقة.
مكتب المرشد.. الشرعية أكثر من السلطة
في عهد علي خامنئي، كان مكتب المرشد يمثل مركز القيادة والحسم النهائي، أما اليوم، فالوضع مختلف.
فمكتب المرشد ما يزال يحتفظ بالشرعية الدستورية والسياسية، وما تزال القرارات الكبرى تحتاج إلى المرور عبره، لكنه لم يعد يمتلك السيطرة المطلقة نفسها، لكون مجتبى خامنئي لا يملك حتى الآن الكاريزما ولا شبكة الولاءات التي امتلكها والده، ما يجعله أقرب إلى “مدير توازنات” بين القوى المتصارعة داخل النظام، لا قائداً مطلقاً لها.
حكومة بزشكيان.. إدارة الدولة لا إدارة الحرب
وسط هذا التشظي الواسع داخل بنية السلطة الإيرانية، تبدو حكومة الرئيس مسعود بزشكيان أقرب إلى "جهاز إداري" يدير التفاصيل اليومية للدولة، لا إلى مركز فعلي لصناعة القرار الاستراتيجي.
فالحكومة تشرف على الاقتصاد والخدمات والدبلوماسية، لكنها لا تمتلك الكلمة الحاسمة في ملفات الحرب، والأمن، والسياسة الإقليمية، والبرنامج النووي، وهي الملفات التي انتقلت عملياً إلى الدوائر الأمنية والعسكرية منذ سنوات، ثم تضاعف هذا المسار بعد الحرب الأخيرة.
ولا ينظر إلى بزشكيان داخل مراكز النفوذ باعتباره لاعباً أول في معادلة السلطة، بل شخصية توافقية تتحرك داخل هوامش مرسومة بعناية، من دون الدخول في مواجهة مع مكتب المرشد أو الحرس الثوري.
لكن هذا لا يعني أن الحكومة بلا تأثير.. ففي الأنظمة المعقدة مثل إيران، يمكن للبيروقراطية والاقتصاد والموازنة العامة أن تتحول إلى أدوات نفوذ غير مباشرة، خصوصاً عندما تبدأ مراكز القوة بالتنافس على الموارد وإدارة مرحلة ما بعد الحرب.
قاليباف.. الرجل الذي يتحرك بين الجميع
في مكان ما بين الحرس الثوري والمؤسسات الرسمية، يقف محمد باقر قاليباف بوصفه واحداً من أكثر الشخصيات قدرة على الحركة داخل الطبقات المختلفة للنظام.
فقاليباف ليس رجل دين تقليدياً، ولا قائداً عسكرياً صرفاً، ولا سياسياً مدنياً عادياً، بل نموذج هجين يجمع بين الأمن والعسكر والإدارة والسياسة وشبكات الاقتصاد.
بدأ الرجل مسيرته داخل الحرس الثوري، ثم انتقل إلى قيادة الشرطة، وبعدها رئاسة بلدية طهران، وصولاً إلى البرلمان، ما منحه شبكة علاقات واسعة تمتد من المؤسسة العسكرية إلى البيروقراطية الاقتصادية ومكتب المرشد.
ولهذا، ينظر إليه كثيرون باعتباره (رجل التوازنات) داخل النظام، أو الجسر الذي يربط بين الحرس الثوري والمؤسسات الرسمية.
لكن حتى قاليباف، رغم نفوذه، لا يمتلك سلطة مطلقة، بل يتحرك ضمن حدود معقدة تفرضها شبكات القوة المتعددة داخل الدولة الإيرانية.
مجلس الأمن القومي.. حيث تصاغ القرارات الكبرى
بعيداً عن الضجيج الإعلامي، يبقى المجلس الأعلى للأمن القومي واحداً من أهم مراكز القرار الحقيقي في إيران.
فهنا تناقش ملفات الحرب، والبرنامج النووي، والسياسات الإقليمية، والتعامل مع الأزمات الكبرى، ضمن بنية يغلب عليها الطابع الأمني والعسكري.
وفي المقابل، تؤدي السلطة القضائية بقيادة غلام حسين محسني إيجئي دور (الذراع العقابية) للنظام، خصوصاً في أوقات الاضطراب، حيث تتحول المحاكم والأجهزة القضائية إلى أدوات لتثبيت السلطة وضبط الداخل.
إيران تدخل عصر السلطة المبعثرة
ما يجري في طهران اليوم ليس مجرد إعادة ترتيب داخلية بعد حرب قاسية، بل تحول عميق في طبيعة النظام نفسه، فإيران لم تعد تدار عبر مركز واحد واضح، بل عبر شبكة معقدة من الأجهزة والقيادات ومراكز النفوذ، داخل دولة تعيش هاجس الحرب والاختراق والانهيار في الوقت نفسه.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يحكم إيران؟
بل: هل ما تزال هناك جهة واحدة قادرة فعلاً على حكمها بالكامل؟