واشنطن – سدن
تتعامل إدارة الرئيس الأميركي ترامب مع رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي بوصفه (فرصة اضطرارية) أكثر من كونه حليفاً مضموناً، في مرحلة ترى فيها واشنطن أن العراق يقف على حافة إعادة تشكيل كاملة لتوازناته الأمنية والسياسية، وسط تصاعد التوتر الإقليمي، وتراجع قدرة الدولة العراقية على ضبط الفصائل المسلحة.
وخلال ندوة عقدها مركز الخليج للأبحاث في واشنطن، وناقشت مستقبل الحكومة العراقية الجديدة، ظهر بوضوح أن المؤسسة الأميركية لا تنظر إلى الزيدي باعتباره مجرد رئيس حكومة قادم، بل باعتباره اختباراً لطبيعة العراق نفسه في المرحلة المقبلة:
هل يبقى ساحة مفتوحة للفصائل والسلاح والنفوذ الإيراني؟
أم يتحول تدريجياً إلى دولة يمكن التعامل معها كشريك أمني واقتصادي مستقر؟
وبحسب النقاشات، فإن أولويات واشنطن لم تعد تقتصر على ملف محاربة الإرهاب، بل باتت تشمل منع استخدام الأراضي العراقية كمنصة للهجمات الإقليمية، وتشديد الرقابة على النظام المصرفي، ومكافحة غسل الأموال، وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة، مع الإبقاء على الدعم الاستخباراتي والجوي للعراق ضمن صيغة “الانسحاب المنضبط”.
وقال عباس كاظم، مدير برنامج العراق في معهد دول الخليج، إن العراق يعيش مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات الأمنية والاقتصادية والسياسية، في ظل وجود جماعات مسلحة خارج سيطرة الدولة، وتهديدات إرهابية مستمرة.
واعتبر كاظم أن صمت الزيدي منذ تكليفه ليس صدفة، بل محاولة لتجنب استعداء أي طرف قبل تمرير حكومته داخل البرلمان، رغم أن هذا الأسلوب، بحسب تعبيره، يتناقض مع أبسط قواعد العمل الديمقراطي التي تفترض أن يعلن رئيس الحكومة رؤيته وبرنامجه للرأي العام.
أما سيف الدين زمان الدراجي، مستشار الشؤون الدولية في مستشارية الأمن القومي العراقي، فحاول تقديم صورة أكثر هدوءاً عن موقف بغداد، مؤكداً أن العراق يرفض استخدام أراضيه للاعتداء على دول الخليج أو الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على مشروع “إصلاح أمني تدريجي” يقوم على دمج بعض الفصائل داخل مؤسسات الدولة تحت قيادة مركزية.
لكن خلف اللغة الدبلوماسية، تدرك واشنطن أن ملف السلاح في العراق لم يعد ملفاً أمنياً فقط، بل أصبح عقدة سياسية وإقليمية تتعلق بشكل الدولة العراقية وحدود النفوذ الإيراني داخلها.
وفي ملف تنظيم «داعش»، كشف الدراجي أن أكثر من خمسة آلاف عنصر جرى نقلهم من السجون السورية إلى العراق، معتبراً أنهم يمثلون “تحدياً وفرصة استخباراتية” في الوقت نفسه، بسبب المعلومات التي يمتلكونها عن شبكات التنظيم وتمويله وتحركاته.
وفي المقابل، حذر الباحث في علم الاجتماع السياسي علي طاهر الحمود من أن العراق يقترب مجدداً من بيئة شبيهة بتلك التي سبقت احتجاجات أكتوبر 2019، مع تفاقم البطالة والأزمات الاقتصادية، ودخول مئات آلاف الشباب سنوياً إلى سوق العمل من دون فرص حقيقية.
وأشار الحمود إلى أن استمرار وجود جماعات مسلحة خارج سلطة الدولة يخلق بيئة فوضوية مفتوحة على مخاطر داخلية وإقليمية، داعياً إلى معالجة هذا الملف عبر الحوار السياسي والضغط الديني والاجتماعي.
لكن أكثر المداخلات حدة جاءت من أستاذة العلوم السياسية في جامعة بوسطن مارسين الشمري، التي انتقدت آلية تشكيل الحكومة، معتبرة أن النخب السياسية العراقية تتعامل مع الدستور بوصفه “وجهة نظر”، لا مرجعية ملزمة.
وقالت الشمري إن اختيار شخصية مثل علي الزيدي، القادم من خلفية مصرفية معقدة ووسط عقوبات أميركية سابقة طالت القطاع المصرفي العراقي، يعكس استمرار الطبقة السياسية في إنتاج السلطة داخل الغرف المغلقة، بعيداً عن أي تفويض شعبي حقيقي.
من جهته، اعتبر الباحث حمزة حداد أن حكومة الزيدي تبدو أقرب إلى “حكومة أمن وسياسة خارجية” مقارنة بحكومة السوداني التي ركزت على الخدمات بعد احتجاجات 2019.
وانتقد حداد ما وصفه بـ«سياسة الادعاء بالحياد» التي تبنتها الحكومات العراقية السابقة، معتبراً أنها فشلت عملياً في إبقاء العراق بعيداً عن العنف الإقليمي، خصوصاً بعد تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ منذ فبراير الماضي.
وقال إن “الحياد لا يعني الوقوف مكتوف الأيدي”، مضيفاً أن العراق دُفع تدريجياً إلى قلب الصراع رغم محاولاته المعلنة للبقاء خارج المواجهة.
وخلال الندوة، طُرحت تساؤلات عديدة بشأن الدعم الأميركي غير المسبوق للزيدي، رغم حداثة حضوره السياسي، وما إذا كان ذلك يعكس وجود تفاهمات مسبقة بين واشنطن وبعض القوى العراقية لإعادة ترتيب المشهد الأمني والعسكري في البلاد.
لكن في العمق، يبدو أن واشنطن لا تراهن على الزيدي كشخص بقدر ما تراهن على فرصة أخيرة لمنع العراق من الانزلاق الكامل نحو نموذج الدولة المنهكة بالسلاح والفصائل والانهيار الاقتصادي.
فالولايات المتحدة تدرك أن خسارة العراق اليوم لن تعني فقط خسارة حليف إقليمي، بل خسارة واحدة من أهم الساحات التي يتحدد فيها شكل الشرق الأوسط المقبل.
وادناه تسجيل كامل للندوة: