بعد مرور مئة يوم على اغتيال سيف الإسلام القذافي، عاد اسمه ليتحول مجدداً إلى واحد من أكثر الملفات تفجيراً داخل ليبيا، مع تصاعد الضغوط الشعبية والقانونية المطالبة بكشف حقيقة ما جرى، وسط اتهامات متزايدة للسلطات بمحاولة إبقاء القضية داخل منطقة الغموض السياسي والأمني.
فالقضية لم تعد مجرد حادثة اغتيال لشخصية سياسية مثيرة للجدل، بل تحولت تدريجياً إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة الليبية على التعامل مع واحدة من أكثر الجرائم حساسية منذ سقوط نظام والده، الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.
صمت رسمي.. وغضب يتصاعد
وعلى الرغم من إعلان النائب العام الليبي، قبل أسابيع تحديد هوية ثلاثة متهمين بالضلوع في عملية الاغتيال، فإن السلطات لم تكشف حتى الآن أسماءهم أو الجهات التي تقف خلفهم، ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الشكوك والاتهامات والتكهنات داخل الشارع الليبي.
وفي مدن عدة، خصوصاً داخل المناطق التي ما تزال تحتفظ بحضور شعبي لأنصار النظام السابق، تصاعدت الدعوات للكشف الكامل عن نتائج التحقيق، مع مطالبات بتقديم المتورطين إلى القضاء، وعدم تحويل القضية إلى ملف سياسي قابل للتسويات أو الإخفاء.
وبحسب مصادر ليبية، فإن تحركات قانونية جديدة بدأت تتشكل في العاصمة طرابلس، بالتزامن مع ضغوط اجتماعية وإعلامية متزايدة على مكتب النائب العام.
وفي هذا السياق، زار المحامي خالد الزايدي، رئيس فريق الدفاع في قضية اغتيال سيف الإسلام، مكتب رئيس المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية والقانونية بشأن طبيعة المرحلة المقبلة في القضية.
ورغم التكتم على تفاصيل اللقاء، تقول مصادر مطلعة إن هناك مساعي لدفع التحقيق نحو مرحلة أكثر وضوحاً، بعد تصاعد الضغوط المحلية والدولية المطالبة بكشف الحقيقة.
لجنة الحقيقة تدخل على الخط
بالتوازي، ظهرت خلال الأيام الأخيرة مبادرة جديدة تحمل اسم «اللجنة الوطنية للحقيقة بشأن قضية سيف الإسلام القذافي»، وأطلقت عريضة إلكترونية شعبية تطالب النائب العام بكشف نتائج التحقيق للرأي العام، ومحاسبة جميع المتورطين، سواء المنفذين أو المخططين أو الممولين.
اللجنة، التي تصف نفسها بأنها كيان مجتمعي مستقل، تقول إنها لا تمتلك أي صفة قضائية، لكنها تعمل بالتنسيق مع فريق الدفاع، في محاولة لتحويل القضية إلى ملف رأي عام مفتوح، يصعب احتواؤه أو دفنه سياسياً.
وفي الجنوب الليبي، دخلت قوى اجتماعية ومدنية على خط الأزمة، حيث طالب مؤتمر الفعاليات الاجتماعية والسياسية ومؤسسات المجتمع المدني بفزان، بعقد مؤتمر صحافي رسمي يكشف للرأي العام أسباب تأخر القبض على المتهمين، وما وصلت إليه التحقيقات.
كما طالبت جهات أخرى بتشكيل قوة أمنية مستقلة لتعقب المتورطين، محذرة من أن استمرار الغموض يهدد ما تبقى من ثقة الليبيين بمؤسسات العدالة.
لماذا تخيف قضية سيف الإسلام الجميع؟
تدرك القوى السياسية الليبية أن القضية أخطر بكثير من مجرد اغتيال، فسيف الإسلام لم يكن شخصية عادية داخل المشهد الليبي.
الرجل الذي عاد إلى الواجهة خلال السنوات الأخيرة، وطرح نفسه مرشحاً رئاسياً محتملاً، كان يمثل بالنسبة لكثيرين محاولة لإحياء جزء من (ليبيا القذافي)، أو على الأقل استعادة فكرة الدولة المركزية التي انهارت بعد 2011.
ولهذا، فإن اغتياله فتح أبواباً شديدة الحساسية، مثل من المستفيد من غيابه؟ ومن قرر أن يغلق هذا الملف بهذه الطريقة؟ وهل كانت العملية تصفية سياسية محلية.. أم جزءاً من صراع إقليمي ودولي أعمق داخل ليبيا؟