تزداد الحرب التي يخوضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران كلفةً وعدم شعبية يوماً بعد يوم، كما أنها، بحسب عدد متزايد من الخبراء القانونيين والدستوريين، حرب غير مفوضة من الكونغرس، بل وغير قانونية أساساً.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه داخل واشنطن اليوم:
إذا كانت الحرب غير شعبية، وغير مفوضة، فلماذا يبدو الكونغرس عاجزاً عن إيقافها؟
الإجابة أكثر تعقيداً بكثير مما تبدو عليه.
فالمسألة لا تتعلق فقط بامتلاك أغلبية داخل مجلس النواب أو الشيوخ، لأن الرئيس ما يزال يمتلك حق النقض “الفيتو”. وحتى لو حاول الكونغرس استخدام سلطته المالية لوقف تمويل الحرب، فإن تأثير ذلك لن يكون فورياً.
ثم هناك المحاكم، التي تبدو بدورها مترددة في التدخل، بسبب تراكم سوابق قانونية سابقة منحت الرؤساء الأميركيين هامشاً واسعاً للتحرك العسكري من دون تفويض واضح.
والنتيجة، بحسب مراقبين، أن عقوداً من الاستقطاب السياسي، وتوسع صلاحيات السلطة التنفيذية، ورضوخ الكونغرس التدريجي، أوصلت الولايات المتحدة إلى لحظة مفارِقة: الكونغرس يستطيع بدء الحروب… لكنه عاجز عملياً عن إنهائها.
ويقول مايكل غلينون، أستاذ القانون الدستوري والدولي في جامعة تافتس: “إنه تعليق مأساوي على خلل النظام السياسي الأميركي، أن تستمر حرب بهذه الدرجة من عدم الشعبية، من دون وجود طريقة عملية حقيقية لإيقافها”.
وأضاف أن ما يحدث اليوم هو بالضبط السيناريو الذي حاول الآباء المؤسسون للولايات المتحدة تجنبه عند صياغة الدستور الأميركي.
هل أميركا في حالة حرب فعلاً؟
النقاش القانوني يبدأ من سؤال يبدو بسيطاً ظاهرياً: هل الولايات المتحدة في حالة حرب مع إيران أم لا؟ فقانون “صلاحيات الحرب” الصادر عام 1973 ينص على أن أي عملية عسكرية لا تحصل على تفويض من الكونغرس يجب أن تتوقف خلال 60 يوماً.
وبحسب هذا القانون، فإن المهلة انتهت بالفعل في الأول من مايو الجاري.
لكن إدارة ترامب تقول إن وقف إطلاق النار المؤقت الذي جرى في 8 أبريل “جمّد العدّاد الزمني”، وإن العمليات العسكرية ضد إيران “انتهت” مؤقتاً، وبالتالي فإن مهلة الستين يوماً لا تنطبق.
غير أن خبراء قانونيين يصفون هذا الطرح بأنه “غير قابل للدفاع قانونياً”.
ويقول غلينون، الذي عمل مستشاراً قانونياً للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ خلال سبعينيات القرن الماضي:
“النص القانوني لا يمنح الرئيس أي صلاحية لإيقاف الساعة أو تجميدها. بصراحة، هذا التفسير يقترب من العبث”.
ورغم أن القانون لم يحدد بشكل دقيق معنى كلمة “أعمال عدائية”، فإن تقريراً صادراً عن خدمة أبحاث الكونغرس أشار إلى أن المقصود لا يقتصر فقط على القتال المباشر، بل يشمل أيضاً أي وضع توجد فيه احتمالات واضحة ومباشرة لاندلاع نزاع مسلح.
ويقول جون بيلينغر، المستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية الأميركية في عهد جورج بوش الابن:
“يمكن للرئيس أن يقول إن السماء خضراء إذا أراد، لكن الحقيقة هي أن الأعمال العدائية مستمرة، وهذا يعني أن مهلة الستين يوماً فُعّلت بالفعل”.
ترامب وروبيو: لسنا ملزمين أصلاً
في المقابل، لا تكتفي إدارة ترامب بالقول إن المهلة لم تنتهِ بعد، بل تعيد إحياء حجة أقدم وأكثر خطورة: أن الرئيس غير ملزم أساساً بهذا القانون.
فترامب وصف مهلة الستين يوماً بأنها “غير دستورية بالكامل”، بينما قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن الإدارة تلتزم ببعض بنود القانون فقط “للحفاظ على علاقة جيدة مع الكونغرس”.
وفي روما، دافع روبيو عن الرد العسكري الأميركي قائلاً:
“إذا أطلقت طائرة مسيّرة أو صاروخاً على مدمرة أميركية، فماذا يُفترض بنا أن نفعل؟ نتركه يصيبها؟ بالطبع سنرد”.
وأضاف:
“الدول الغبية فقط لا ترد عندما تُهاجم، والولايات المتحدة ليست دولة غبية”.
كيف خسر الكونغرس الحرب… قبل أن تبدأ؟
المشكلة الأعمق، بحسب خبراء، لا تتعلق فقط بترامب، بل بتحول تدريجي استمر لعقود داخل النظام الأميركي.
فمنذ حرب فيتنام، ثم حروب العراق وأفغانستان، توسعت صلاحيات البيت الأبيض العسكرية بشكل متواصل، بينما أصبح الكونغرس أكثر انقساماً وعجزاً عن فرض قيود فعلية على السلطة التنفيذية.
وفي كل مرة كان الكونغرس يتراجع خطوة، كانت الرئاسة تتقدم خطوة أخرى.
ومع الوقت، تحولت الحروب الأميركية من قرارات وطنية كبرى تحتاج إلى توافق سياسي واسع، إلى قرارات شبه فردية يستطيع الرئيس إطلاقها، ثم فرض الأمر الواقع على الجميع.
واليوم، تبدو واشنطن وكأنها تواجه نتيجة نصف قرن من هذا التراكم:
رئيس يستطيع إشعال حرب واسعة في الشرق الأوسط…
بينما يقف الكونغرس عاجزاً بين النصوص القانونية، والانقسامات الحزبية، والخوف من الظهور بمظهر “المتخاذل أمنياً”.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي داخل أميركا لم يعد فقط:
هل حرب إيران قانونية؟
بل:
هل ما يزال النظام الأميركي نفسه قادراً على تقييد رئيس يريد الحرب؟