لم تعد إسرائيل تتحدث فقط عن ضرب البرنامج النووي الإيراني أو احتوائه أو تعطيله.. في تل أبيب، بدأ الحديث يرتفع عن سيناريو أكثر جرأة وخطورة وهو: الدخول إلى إيران وانتزاع اليورانيوم المخصب بالقوة.
فبحسب تسريبات متداولة داخل الأوساط الأمنية والسياسية الإسرائيلية، عرض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على واشنطن تنفيذ عملية كوماندوز خاصة تهدف إلى الاستيلاء على مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب، ونقله خارج إيران، بوصفها (الضربة الحاسمة) التي قد تنهي الحرب وتمنع طهران من الاقتراب نهائياً من إنتاج السلاح النووي.
الفكرة بحد ذاتها تكشف حجم التحول الذي طرأ على التفكير الإسرائيلي خلال الأشهر الأخيرة.. حيث لم تعد إسرائيل تتحدث عن ردع إيران فقط، بل عن إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية الإيرانية بالكامل، عبر عمليات مباشرة داخل العمق الإيراني، تشمل الاغتيال، والتخريب، والحرب السيبرانية، وصولاً إلى عمليات اقتحام عسكرية معقدة.
(شلداغ).. وحدة الظل التي تريد إسرائيل إدخالها إلى قلب إيران
ووفق ما نشره المراسل العسكري الإسرائيلي آفي أشكنازي، فإن الخطة المطروحة تقوم على استخدام وحدة (شلداغ)، وهي إحدى أخطر وحدات الكوماندوز التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، لتنفيذ العملية، وتعد من الوحدات التي تعمل في الظل، وتكلف عادة بالمهام شديدة الحساسية والتعقيد خلف خطوط العدو، وقد سبق أن تباهت إسرائيل باستخدامها في عمليات داخل العمق الإيراني.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، نفذت الوحدة في سبتمبر 2024 عملية خاصة داخل الأراضي الإيرانية حملت اسم (كثيرة هي الطرق)، استهدفت موقعاً مرتبطاً بتطوير الصواريخ الدقيقة، وانتهت بتدمير معدات ومنظومات حساسة في عملية قالت تل أبيب إنها جرت في قلب إيران.
اليوم، يبدو أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تريد البناء على تلك السابقة، لكن هذه المرة ليس لتفجير موقع أو اغتيال عالم، بل للوصول إلى (درة التاج) في المشروع النووي الإيراني: اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة.
لماذا اليورانيوم أخطر من المنشآت؟
في الحسابات الإسرائيلية، لم تعد المشكلة الأساسية في أجهزة الطرد المركزي أو المنشآت النووية وحدها، بل في كمية اليورانيوم المخصب التي تمتلكها إيران بالفعل.
لأن المنشآت يمكن تدميرها وإعادة بنائها، لكن السيطرة على اليورانيوم أو تهريبه أو إخفاءه تمنح طهران قدرة على العودة السريعة إلى المشروع النووي حتى بعد تعرضها لضربات واسعة.
ولهذا، قال نتنياهو في مقابلة مع شبكة أميركية إن أفضل طريقة للتعامل مع هذا الملف هي (الدخول وأخذه من هناك)، في إشارة واضحة إلى سيناريو الاستيلاء المباشر على المادة المخصبة.
ترمب أمام القرار الأصعب
كل ذلك يحدث فيما تتزايد التقديرات داخل إسرائيل بأن الرئيس الأميركي يقترب من اتخاذ قرار حاسم بشأن مستقبل المواجهة مع إيران، خصوصاً بعد زيارته إلى الصين، وفي ظل قناعة متزايدة داخل تل أبيب بأن بكين لن تساعد واشنطن في فرض تسوية بالشروط الأميركية.
وفي المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، يسود اعتقاد بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران وصلت عملياً إلى طريق شبه مسدود، وأن احتمالات العودة إلى التصعيد العسكري باتت أكبر من فرص التفاهم.
وبحسب تسريبات إسرائيلية، وضعت المؤسسة العسكرية الأميركية أمام ترمب عدة خيارات، تبدأ من عمليات محدودة في مضيق هرمز، ولا تنتهي بضرب منشآت طاقة وغاز مرتبطة بإيران.
لكن السيناريو الأخطر يبقى ذلك الذي يمنح إسرائيل دوراً مباشراً في عملية خاصة تستهدف اليورانيوم نفسه.
الحرب لم تعد تقليدية
ما يجري الآن يتجاوز كثيراً فكرة حرب جوية أو تبادل صواريخ، فالمنطقة تدخل تدريجياً مرحلة جديدة من الحروب، حيث حروب الخطف النووي، والتوغل العميق، والضربات السيبرانية، والعمليات الخاصة داخل العواصم المعادية، وفي هذا النوع من الحروب، لا يكون الهدف فقط تدمير الخصم، بل تحطيم صورته وهيبته وقدرته على إقناع الداخل بأنه ما يزال يسيطر على الأمور.
ولهذا، ترى بعض التقديرات الإسرائيلية أن نجاح عملية من هذا النوع لن يقتصر على ضرب البرنامج النووي، بل قد يتحول إلى ضربة نفسية واستراتيجية تهز بنية النظام الإيراني نفسه.