لا تبدو المشكلة الحقيقية في عراق ما بعد 2003 في نقص البرامج الحكومية، بل في كثرة البرامج التي كتبت ولم تنفذ، ولهذا، فإن المنهاج الوزاري الذي قدمه رئيس الوزراء علي الزيدي، وصوت عليه البرلمان، لا يقرأ بوصفه مجرد خطة لحكومة جديدة، بل كنسخة محدثة من وعود قديمة أعادت الحكومات العراقية تدويرها منذ أكثر من عقدين، من دون أن تنجح بتحويلها إلى واقع مستقر، كما يقول الخبير الإداري العراقي د. مامون الرشيد.
فالبرنامج الحكومي الذي طرحه الزيدي تضمن 14 محوراً رئيسياً، تبدأ من السلاح والفساد، ولا تنتهي عند الاقتصاد والكهرباء والتعليم والزراعة والعلاقات الخارجية. لكن مراجعة سريعة لعناوينه تكشف أن معظم هذه الملفات حضرت تقريباً بالنص ذاته في برامج مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني، وقبلهم حكومات أخرى، فيما بقيت الدولة تدور داخل الأزمات نفسها.
السلاح.. الدولة التي لا تحتكر القوة
مرة أخرى، يعود شعار “حصر السلاح بيد الدولة” إلى الواجهة، وهو الشعار الأكثر تكراراً في العراق، والأكثر فشلاً أيضاً.
فالسنوات الماضية أثبتت أن الحكومات العراقية لا تواجه جماعات مسلحة خارج النظام السياسي، بل قوى أصبحت جزءاً من النظام نفسه، وتمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً يجعل فكرة إخضاعها الكامل للدولة أقرب إلى التعقيد البنيوي، لا القرار التنفيذي.
وجاءت الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران لتكشف حجم هذا التناقض بشكل أكثر وضوحاً، بعدما تحولت الأراضي العراقية إلى ساحة تهديد إقليمي، مع استمرار الفصائل المسلحة بإطلاق مواقف وتصعيدات أمنية تتجاوز قرار الحكومة نفسها.
ولهذا، فإن اختبار الزيدي الحقيقي لن يكون في كتابة عبارة (حصر السلاح)، بل في قدرته على الاقتراب من مراكز القوة التي عطلت هذا الملف طوال السنوات الماضية.
الخليج والمحاور.. حياد معلن وواقع مختلف
في برنامجه الحكومي، يتحدث الزيدي عن تعزيز العلاقات مع الخليج، ومنع استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار، وعدم الانخراط بسياسة المحاور.
لكن هذه التعهدات ليست جديدة أيضاً، فالعراق أعلن مراراً خلال السنوات الماضية أنه لا يريد أن يكون جزءاً من صراعات المنطقة، غير أن الوقائع الميدانية كانت تقول شيئاً آخر.
وخلال التصعيد الإقليمي الأخير، وجدت دول خليجية نفسها تحت تهديد مباشر من فصائل عراقية مرتبطة بطهران، فيما بدت بغداد عاجزة عن تقديم صورة لدولة تحتكر قرار الحرب والسلم داخل أراضيها.
وهنا تحديداً، تبدو معضلة الزيدي أكثر تعقيداً: كيف يمكن لحكومة أن تقنع الخليج بسياسة توازن، بينما ما يزال القرار الأمني موزعاً بين الدولة والفصائل؟
الفساد.. الملف الذي لا يخسر أمام أحد
لا توجد حكومة عراقية منذ 2003 لم تبدأ عهدها بإعلان الحرب على الفساد.
لكن الفساد في العراق لم يعد مجرد خلل إداري، بل تحول إلى شبكة مصالح ضخمة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والأحزاب والنفوذ.
ولهذا، تبدو الوعود الجديدة بمكافحة الفساد أقرب إلى إعادة إنتاج الخطاب نفسه، خصوصاً أن الحكومات السابقة أنشأت لجاناً وهيئات ومجالس وهيئات رقابية استثنائية، من دون أن ينعكس ذلك على موقع العراق المتراجع في مؤشرات الشفافية الدولية.
المعضلة هنا ليست في غياب الشعارات، بل في غياب الإرادة التي تصطدم فعلاً ببنية الفساد داخل الدولة.
النفط.. حرب هرمز كشفت الحقيقة
اقتصادياً، أعاد الزيدي الحديث عن تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وتطوير منافذ تصدير النفط وتوسيع الخزن الاستراتيجي.
لكن الحرب الأخيرة في مضيق هرمز كشفت أن العراق ما يزال يعيش هشاشة نفطية خطيرة، رغم كل الوعود السابقة.
فمع اضطراب الملاحة البحرية، بدا واضحاً أن بغداد لم تنجح فعلياً ببناء بدائل استراتيجية حقيقية للتصدير، واضطرت للاعتماد على حلول مؤقتة وصهاريج نقل برية، في مشهد أعاد طرح السؤال القديم: أين ذهبت خطط الطاقة والنقل والخزن التي تحدثت عنها الحكومات طوال السنوات الماضية؟
المصارف والقطاع الخاص.. الخشية من الإصلاح
الزيدي أعاد أيضاً طرح ملف إصلاح النظام المصرفي، بالتزامن مع استمرار العقوبات الأميركية على مصارف عراقية متهمة بتهريب الدولار وغسيل الأموال.
ورغم أن حكومة السوداني بدأت فعلاً خطوات لإعادة هيكلة بعض المصارف بالتعاون مع مؤسسات أميركية، إلا أن المشروع تعثر تحت ضغط العقوبات وضعف البنية المصرفية المحلية.
والأمر نفسه يتكرر مع ملف القطاع الخاص، فكل الحكومات تتحدث عن دعمه، بينما تستمر عملياً بتوسيع التوظيف الحكومي، لأن الدولة العراقية ما تزال تعتمد على الاقتصاد الريعي والوظيفة العامة كوسيلة تهدئة سياسية واجتماعية.
الصيف الصعب
ربما لا يوجد ملف يلخص مأزق الدولة العراقية أكثر من الكهرباء، فمنذ أكثر من عشرين عاماً، يتكرر الوعد نفسه كل صيف، فيما تستمر الأزمة نفسها كل صيف أيضاً.
العراق ما يزال يعتمد على الغاز الإيراني لتشغيل جزء أساسي من محطاته، وما تزال الحكومات تتحدث عن مشاريع استراتيجية لم تُنجز، فيما يتحول (الصيف الصعب) إلى وصف موسمي ثابت يتكرر مع كل حكومة جديدة.
التعليم والزراعة.. فساد متغلغل
في التعليم، عاد الحديث مجدداً عن حل أزمة الأبنية المدرسية وتطوير المناهج، رغم أن العراق ما يزال بحاجة إلى آلاف المدارس الإضافية بعد سنوات طويلة من الوعود.
وفي الزراعة، يتكرر الحديث عن تقنيات الري الحديثة، بينما تستمر البلاد بخسارة مساحات زراعية واسعة بسبب الجفاف وسوء إدارة المياه والاعتماد على أساليب تقليدية قديمة.
المشكلة هنا لم تعد في غياب الخطط، بل في عجز الدولة عن الانتقال من مرحلة الكلام إلى التنفيذ، بسبب الفساد الإداري المتغلغل في مفاصل وزارتي التربية والزراعة.
هل يختلف الزيدي فعلاً؟
المعضلة الأساسية في العراق اليوم ليست كتابة برنامج حكومي جديد، بل كسر الحلقة السياسية نفسها التي جعلت الحكومات تتشابه حتى في فشلها.
فالزيدي لا يبدأ من فراغ، بل يرث دولة مثقلة بوعود مؤجلة، ومؤسسات ضعيفة، وشبكات نفوذ معقدة، وأزمات أصبحت أقدم من معظم الوزراء أنفسهم.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا كتب الزيدي في منهاجه؟ بل: هل يمتلك القدرة السياسية على تنفيذ ما عجز عنه من سبقوه؟