دخلت تركيا عام 2026 وهي تحاول إقناع الأسواق والمستثمرين بأن عودتها إلى السياسات الاقتصادية التقليدية قد تمنحها أخيراً فرصة حقيقية للسيطرة على التضخم. لكن الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة تهدد اليوم بقلب هذا المسار وإرباك الجدول الزمني الذي وضعته أنقرة لاستعادة الاستقرار النقدي.
فبالنسبة لتركيا، لا تمثل هذه الحرب مجرد أزمة أمنية تجري خلف الحدود، بل صدمة مباشرة لأسعار الطاقة، ومصدر ضغط على الحساب الجاري، واختباراً حساساً لمدى استمرار ثقة المواطنين والمستثمرين بقدرة الحكومة على كبح الأسعار وإعادة ضبط الاقتصاد.
في الواقع، لم تبدأ أزمة التضخم التركية مع الحرب الحالية، بل سبقتها بسنوات. فقد دعم الرئيس رجب طيب أردوغان لفترة طويلة سياسة أسعار الفائدة المنخفضة رغم الارتفاع الحاد في الأسعار، ما أدى إلى إضعاف الليرة، وزيادة كلفة الواردات، وتشجيع الدولرة، وتقويض مصداقية البنك المركزي التركي.
وبعد انتخابات 2023، أعاد أردوغان محمد شيمشك إلى وزارة الخزانة والمالية، وسمح للبنك المركزي بتشديد السياسة النقدية، في تحول واضح نحو السياسات الاقتصادية التقليدية. وقد ساهم هذا التحول في تخفيف التضخم مقارنة بذروته في عام 2024، لكنه لم يمح آثار سنوات طويلة من التجارب الاقتصادية المثيرة للجدل.
ورغم ذلك، لا تزال معدلات التضخم الرسمية مرتفعة. ففي أبريل 2026، ارتفعت أسعار المستهلك في تركيا بنسبة 4.18 بالمئة على أساس شهري، ليرتفع التضخم السنوي إلى 32.37 بالمئة، متجاوزاً توقعات الأسواق.
وذكرت وكالة “رويترز” أن قطاعات الملابس والسكن والنقل والغذاء سجلت زيادات شهرية حادة، فيما ساهمت الحرب الإيرانية في رفع أسعار الوقود، الأمر الذي هدد مسار التراجع التدريجي للتضخم الذي كانت أنقرة تراهن عليه.
وكان البنك المركزي قد أبقى سعر الفائدة الرئيسي عند 37 بالمئة في أبريل، لكن مفاجأة التضخم كشفت مدى سرعة تأثير الصدمات الخارجية على رواية الحكومة بشأن قدرتها على السيطرة على الأسعار.
وتبقى الطاقة هي القناة الأخطر في هذه الأزمة. فتركيا تستورد معظم احتياجاتها من النفط والغاز، ما يجعل أي ارتفاع عالمي في الأسعار ينعكس مباشرة على النقل والكهرباء والصناعة والزراعة وفواتير الأسر.
وأشارت مؤسسة “ستاندرد آند بورز غلوبال” إلى أن واردات النفط والغاز تشكل ما بين 3.5 و4.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي التركي، مؤكدة أن الحرب الأخيرة كشفت هشاشة اعتماد أنقرة على الطاقة الخارجية.
كما أوضحت المؤسسة أن إيران وروسيا وأذربيجان تمثل أبرز موردي الغاز لتركيا، فيما يتم استيراد الباقي عبر الغاز الطبيعي المسال. ورغم أن هذا التنوع يمنح أنقرة بعض المرونة، فإنه لا يحميها من الارتفاعات العالمية الحادة في الأسعار.
وتبدو المعادلة الاقتصادية قاسية وواضحة في الوقت نفسه:
فارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى اتساع عجز الحساب الجاري، ويزيد الطلب على العملات الأجنبية، ويضغط على الليرة التركية. وعندما تضعف الليرة، ترتفع أسعار السلع المستوردة مجدداً، ما يغذي التضخم مرة أخرى في حلقة مفرغة لازمت الاقتصاد التركي لسنوات.
ولهذا السبب خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد التركي في عام 2026 إلى 3.4 بالمئة، مشيراً إلى ضعف الزخم الاقتصادي وارتفاع أسعار النفط والغاز. كما توقع أن يبلغ متوسط التضخم 28.6 بالمئة خلال العام نفسه، مع عجز في الحساب الجاري يصل إلى 2.8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أرقام أسوأ من التقديرات السابقة.
لكن النفط ليس سوى بداية المشكلة.
فإذا تطورت الحرب وهددت حركة الملاحة في الخليج أو مضيق هرمز، فإن تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الغاز الطبيعي المسال ومدخلات الإنتاج المستوردة سترتفع جميعها، ما سينقل الصدمة مباشرة إلى الأسعار داخل تركيا.
وفي هذه الحالة، ستقوم الشركات إما بتمرير التكاليف إلى المستهلكين، أو بتقليص استثماراتها، أو خفض هوامش أرباحها، أو تقليل التوظيف. وفي كل السيناريوهات، ستتعرض اقتصاديات تركيا لمزيد من الضغط في وقت تحاول فيه الحكومة تهدئة الطلب من دون قتل النمو الاقتصادي بالكامل.
ورغم أن أرقام “تركستات” الرسمية لا تزال المرجع الأساسي للسياسات والأجور والعقود، فإن شريحة واسعة من الأتراك باتت تشكك في مدى انعكاس هذه الأرقام على الواقع المعيشي اليومي.
ففي مارس 2026، بلغ التضخم السنوي الرسمي 30.87 بالمئة، بينما قدّرته “مجموعة أبحاث التضخم” المستقلة “إيناغ” عند 54.62 بالمئة. وهذه الفجوة الكبيرة لا يمكن اعتبارها مجرد خلاف تقني، لأنها تؤثر مباشرة على مطالب الأجور، وأسعار الإيجارات، وسلوك الادخار، وثقة الجمهور بالدولة.
وتؤكد الحكومة التركية أن بياناتها تتبع المعايير الدولية، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن المواطنين لا يشعرون بالتضخم كرقم وطني مجرد، بل يعيشونه يومياً عبر الإيجارات وأسعار الغذاء والنقل والتعليم وفواتير الخدمات.
وعندما تعلن الدولة تراجع التضخم فيما تظل الأسعار اليومية مرهقة وقاسية، يبدأ الناس بالاعتقاد أن الحكومة تقلل من حجم الأزمة الحقيقية.
وهنا تتحول المشكلة إلى أزمة نفسية واقتصادية معاً.
فالتضخم ليس مجرد أرقام، بل حالة من الثقة أو انعدامها. وإذا لم يصدق العمال والشركات والمدخرون الرواية الرسمية، فإنهم يتصرفون دفاعياً: يطالبون بأجور أعلى، ويرفعون الأسعار مسبقاً، ويشترون العملات الأجنبية، ويتجهون نحو الذهب والعقارات. وعند هذه النقطة، يصبح انعدام الثقة نفسه عاملاً جديداً يغذي التضخم.
السؤال اليوم ليس فقط: هل الحكومة التركية جادة في محاربة التضخم؟
بل: هل تملك القدرة الحقيقية على ذلك؟
بالمقارنة مع مرحلة الفائدة المنخفضة، تبدو الحكومة أكثر جدية بالفعل. فقد حاول محمد شيمشك والبنك المركزي استعادة جزء من المصداقية المفقودة، عبر الإبقاء على سياسة نقدية مشددة، ومحاولة تهدئة الطلب، وإقناع المستثمرين بأن خفض التضخم ما يزال أولوية مركزية.
وقد أشاد صندوق النقد الدولي بالبرنامج الاقتصادي التركي، مشيراً إلى أنه ساهم في خفض التضخم من 49.4 بالمئة في سبتمبر 2024 إلى 30.9 بالمئة في ديسمبر 2025، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة استمرار الانضباط المالي والسياسة النقدية الصارمة وضبط الأجور.
لكن القدرة على النجاح تبقى أكثر تعقيداً من مجرد رفع أسعار الفائدة.
فالبنك المركزي لا يستطيع إنتاج طاقة رخيصة، ولا تهدئة الخليج، ولا استعادة الثقة بالإحصاءات الرسمية وحده. كما تواجه الحكومة قيوداً سياسية صعبة، لأن الفائدة المرتفعة تضرب المقترضين وقطاع البناء، فيما يثير ضبط الأجور غضب العمال، ويؤدي التشدد المالي إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي.
أما دعم الطاقة، فرغم أنه يخفف العبء عن المواطنين، فإنه يضغط على الموازنة العامة ويضعف إشارات الأسعار الضرورية للتكيف الاقتصادي.
ولهذا تحديداً، تبدو الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة خطراً بالغ الحساسية بالنسبة لتركيا.
فهي تهدد برنامج خفض التضخم التركي على ثلاثة مستويات متزامنة:
ترفع أسعار الطاقة والنقل، وتفاقم الاختلالات الخارجية، وتضعف الثقة والتوقعات الاقتصادية في اللحظة التي تحتاج فيها الحكومة إلى أكبر قدر ممكن من المصداقية.
لقد حققت تركيا بعض التقدم منذ تخليها عن أكثر تجاربها الاقتصادية إثارة للجدل، لكن البرنامج الحالي ما يزال قائماً على ثقة هشة وقابلة للاهتزاز.
ولكي تنجح أنقرة في دفع التضخم نحو الانخفاض مجدداً، فإنها لن تحتاج فقط إلى سياسة نقدية مشددة، بل أيضاً إلى بيانات أكثر شفافية، وتنويع أكبر في مصادر الطاقة، وقليل من الحظ في منطقة نادراً ما تمنح الاستقرار.