بغداد – سدن
بعد سنوات من الضربات الجوية المحدودة والرسائل العسكرية المتبادلة، بدأت ملامح استراتيجية أمريكية جديدة تظهر بهدوء: مطاردة الأفراد.. لا الجيوش.
فخلال الأيام الأخيرة، تلقت قيادات في فصائل عراقية تحذيرات أمنية وصفت بأنها (حمراء)، وهي أعلى درجات الإنذار، وسط مخاوف متزايدة من دخول الولايات المتحدة مرحلة الاصطياد المنفرد، عبر استهداف شخصيات محددة بعمليات تعقب واعتقال دولية، بدلاً من المواجهات المفتوحة.
وجاء هذا الاستنفار بعد إعلان السلطات الأمريكية اعتقال محمد باقر داوود السعدي، المتهم بالتورط في التخطيط لهجمات داخل أوروبا، وإطلاق تهديدات ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
لكن ما أثار القلق الحقيقي داخل أوساط الفصائل لم يكن الاعتقال نفسه، بل الطريقة التي نُفذت بها العملية.
استدراج تركي.. ورسالة أمريكية مختلفة
بحسب المعلومات المتداولة، فإن السعدي تعرض لعملية استدراج استخبارية معقدة جرت عبر الأراضي التركية، قبل توقيفه ونقله إلى الولايات المتحدة.
وهذا التطور اعتبر داخل ما يعرف بـ(محور المقاومة) مؤشراً خطيراً على انتقال واشنطن من سياسة الاحتواء العسكري”إلى نموذج أكثر تعقيداً يعتمد على:
* الاختراق الإلكتروني
* التعقب المالي
* المراقبة العابرة للحدود
* والعمل الاستخباري طويل الأمد
وبعد ساعات من الإعلان عن القضية، بدأت فصائل عراقية اتخاذ إجراءات احترازية غير مسبوقة، شملت تقليل استخدام الهواتف الذكية، والابتعاد عن التطبيقات المشفرة، وتقييد التعاملات المصرفية، وحتى تخفيف التواصل الشخصي والعائلي، خشية التتبع أو الاختراق.
مصادر عراقية تحدثت عن حالة (صمت أمني) داخل عدد من الجماعات المسلحة، مع تقليل الظهور الإعلامي وإيقاف بعض قنوات الاتصال التقليدية.
من حرب الأربعين يوماً.. إلى حرب الظل
التحول الحالي لا يبدو منفصلاً عن الحرب الأخيرة مع إيران، فبعد هدنة قصيرة التقط خلالها محور المقاومة أنفاسه عقب حرب الأربعين يوماً، بدأت واشنطن، وفق تقديرات سياسية عراقية، إعادة صياغة قواعد الاشتباك بالكامل.
سياسي شيعي كان قد حذر قبل أشهر من أن الولايات المتحدة قد تنتقل إلى "حملات اصطياد منفردة" ضد شخصيات مرتبطة بالفصائل، بدلاً من الضربات التقليدية أو الحروب المباشرة، واليوم، يبدو أن هذا السيناريو بدأ يتحول إلى واقع، فالرسالة الأمريكية الجديدة تقول بوضوح: لا حصانة جغرافية بعد الآن.. ولا حماية إقليمية كافية.
لماذا جرى الاعتقال في تركيا؟
واحدة من أكثر النقاط حساسية في القضية تتعلق بمكان تنفيذ العملية، فإذا كانت هناك شراكة أمنية معلنة بين بغداد وواشنطن، لماذا لم تنفذ العملية داخل العراق؟ ولماذا جرى نقل الملف بالكامل إلى تركيا ثم الولايات المتحدة؟
هذا السؤال طرحه السياسي العراقي مثال الآلوسي، الذي اعتبر أن تنفيذ الاعتقال خارج العراق يمثل "إدانة قاسية" للمنظومة الأمنية العراقية، سواء بسبب العجز أو التواطؤ أو فقدان السيطرة على الفصائل المسلحة.
ويرى الآلوسي أن واشنطن لم تعد تثق بقدرة المؤسسات العراقية على إدارة ملفات بهذا الحجم، خصوصاً في ظل تشابك العلاقات بين بعض الفصائل ومراكز النفوذ داخل الدولة.
كما حذر من أن أي اعترافات قد يدلي بها السعدي أمام المحققين الأمريكيين قد تفتح ملفات تمس شخصيات سياسية وأمنية عراقية نافذة.
واشنطن تغير قواعد اللعبة
اللافت أن هذا التطور يتزامن مع مرحلة سياسية جديدة داخل العراق، بعد تشكيل حكومة خلت للمرة الأولى منذ سنوات من تمثيل وزاري مباشر للفصائل المسلحة.
أخطر ما في القضية… ليس السعدي نفسه
لكن ربما لا تكمن خطورة القضية في اسم محمد باقر السعدي وحده، بل في ما تعنيه سياسياً وأمنياً، فالولايات المتحدة تبعث رسالة واضحة: مرحلة الملاحقات الشخصية الى جانب الضربات الصاروخية قد بدأت.
وفي بغداد، يبدو أن كثيرين فهموا الرسالة جيداً، ولهذا، لا تعيش بعض الفصائل اليوم خوف الحرب التقليدية، بل خوف الهاتف الذي يُراقب، والحساب الذي يتتبع، والشخص الذي قد يختفي فجأة عند أي مطار أو حدود أو رحلة خارجية.