كتب: داني مكي - مجلة إسكوير
مع اول خيوط الفجر، تصبح دمشق ملكاً للعدائين.
يتجمعون في مجموعات صغيرة داخل شوارع المدينة القديمة وساحاتها المفتوحة، يتمددون، يضحكون، يضبطون قوائم الموسيقى على سماعات الصوت المحمولة، ويحاولون التخلص ببطء من تعب الليل، قبل ان ينطلقوا عبر الازقة والساحات والاحياء التاريخية بخفة وهدوء وهدف واضح.
خلال فترة قصيرة، تحول نادي “963 ران كلوب” الى واحدة من اكثر الظواهر الجديدة حضوراً في العاصمة السورية، فهو ليس مجرد مجموعة رياضية، بل مزيج من طقس لياقة بدنية، ومجتمع اجتماعي، ورسالة غير معلنة.
وفي مدينة ما تزال تحاول التعافي من سنواتها الثقيلة، يبدو مشهد عشرات الشبان السوريين وهم يختارون الحركة والانضباط والاسلوب العصري بطريقتهم الخاصة، وكأنه فعل هادئ من التحدي واعادة اكتشاف الذات.
اسم النادي مستوحى من مفتاح الاتصال الدولي لسوريا “963”، وهو اسم يحمل هوية سورية واضحة، لكن طموحه يتجاوز حدود البلاد، فالفكرة لا تتعلق بالرياضة فقط، بل بمحاولة اعادة ضبط ايقاع دمشق، ونقل هذه الروح الى اي مكان يتفاعل مع الفكرة، سواء كان سورياً ام لا، وتحويل رمز وطني الى مجتمع متحرك وعابر للحدود.
هذا المجتمع بدأ يتوسع بالفعل.
وقد ساعد التعاون الاخير مع “كيزيو ستوديو” ـ وهو مشروع ابداعي جديد في دمشق ـ النادي على التمدد خارج اطار الرياضة، والدخول الى المشهد الثقافي للمدينة.
شعار الحملة كان: (اياك ان تميل)، وهو شعار يلخص الفكرة كلها، عبارة تحمل معنى الانضباط والصلابة والاستمرار رغم الضغوط.
واختيرت خلفيات تاريخية سورية للحملة، من كهوف معلولا القديمة، الى قصر نعسان العثماني، وخان اسعد باشا، ومركز هاي هورس للفروسية على أطراف دمشق، ليبدو المشاركون وكأنهم جزء من سردية اكبر من مجرد الجري.
صديقان خلف الفكرة
القلب الحقيقي للنادي هو صديقان: جواد ابراهيم (24 عاماً)، وغيث قنواتي (33 عاماً)، اللذان اسسا معاً واحدة من اكثر المجتمعات الشبابية الجديدة حضوراً في دمشق.
يقول جواد ابراهيم لمجلة “اسكواير”: "اول جولة رسمية لنا كانت في اذار 2024. قبلها كان الامر عفوياً جداً، مجرد عدد قليل منا ينشر صور الجري عبر انستغرام، ثم بدأنا نلتقي في الحدائق ونستمتع بالفكرة. الجولة الاولى حضرها نحو 25 شخصاً، والثانية 50، والثالثة اقتربت من 100 شخص.. ومن هنا بدأت الامور تكبر بسرعة".
جواد ابراهيم يعمل طبيب اسنان، لكنه ايضاً مدرب لياقة بدنية، ويصف نفسه قبل كل شيء بأنه “شخص يحب البناء”.
ويقول: "اهتم دائماً ببناء الافكار وتطوير المشاريع وصناعة شيء اكبر من نفسه. ومنذ البداية، لم يكن هدف 963 مجرد الرياضة، بل جمع الناس وصناعة مجتمع حقيقي يشبه العائلة".
اما غيث قنواتي، وهو صاحب مصنع نسيج، فيقول ان الجري كان بالنسبة له مساحة شخصية للهروب من الضغوط اليومية.
ويضيف: "الجري ساعدني على التعامل مع التوتر وضغط الحياة. واردت ان يعيش الآخرون هذا الشعور ايضاً، وان يعيدوا اكتشاف دمشق بطريقة اكثر حيوية".
ومع الوقت، تحول النادي الى مساحة اجتماعية حقيقية، تجمع اشخاصاً من خلفيات واعمار مختلفة.
من الرياضة الى الثقافة
اليوم، يستقطب النادي ما بين 100 الى 150 شخصاً في كل جولة اسبوعية، كما توسع نشاطه ليشمل فعاليات، وتعاونات، ومنتجات خاصة بالنادي.
الحملة المشتركة مع “كيزيو ستوديو”، والتي حملت اسم “963 CLO”، تضمنت خط ملابس خاصاً بالنادي، واشارت الى تحول 963 من مجرد مجموعة رياضية الى ظاهرة ثقافية شبابية.
يقول جواد ابراهيم: "عبارة (اياك ان تميل) كانت مكتوبة على اللوح الخاص بي منذ سنوات. بالنسبة لي هي تعني الصمود والثبات مهما كانت الظروف، ولهذا كانت الحملة شخصية جداً وتحمل الكثير من المشاعر".
اما مارك ماركوس، المدير الابداعي والشريك المؤسس لـ “كيزيو ستوديو”، فيقول ان اكثر ما جذبه للنادي هو انه لم يكن مجرد نادي جري.
ويضيف: "كان يحمل منذ البداية ايقاعاً خاصاً وطاقة شبابية صادقة وشعوراً بالانتماء".
ويرى ماركوس ان عبارة (اياك ان تميل) تحمل معنى مزدوجاً: "هي تحذير ومبدأ في الوقت نفسه.. تتحدث عن الثبات وعدم فقدان الاتجاه وسط الضغوط والتغييرات".
حلم اولمبي من دمشق
من بين اعضاء النادي، يبرز الرياضي السوري المحترف عدنان زكي، المتخصص برياضة الترايثلون، والذي يطمح للتأهل الى اولمبياد لوس انجلوس 2028.
لكن زكي يقول ان كونك رياضياً محترفاً في سوريا ليس امراً سهلاً.
ويضيف: "الدعم محدود جداً مقارنة بما يحصل عليه الرياضيون في الخارج. احياناً ترى رياضيين بمستوى اقل لكن لديهم فرص افضل، وهذا امر محبط، لكنه يدفعني للعمل اكثر".
ويؤكد ان الدعم المعنوي الذي يقدمه النادي كان مهماً جداً.
ويقول: "كنت اعرف غيث وجواد قبل تأسيس النادي، وكنت من اوائل الداعمين للفكرة. النادي لعب دوراً كبيراً في اعادة الحياة الى الشوارع وتشجيع الناس على الحركة من جديد. بصراحة، هو واحد من افضل الاشياء التي حدثت للمجتمع الرياضي في سوريا".
حضور رسمي متزايد
النجاح المتصاعد للنادي وصل حتى الى الدوائر الرسمية، فقد شارك وزير الصحة السوري الدكتور مصعب العلي، ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، في بعض جولات النادي، في اشارة الى حجم التحول الذي حققته هذه المبادرة، من تجمع شبابي صغير الى ظاهرة عامة داخل المدينة.
كما شارك النادي في ماراثون دمشق، وهو ما عزز حضوره داخل الثقافة الرياضية الناشئة في سوريا.
لكن بالنسبة لاعضاء 963، لا يتعلق الامر بالمكانة او الشهرة، بقدر ما يتعلق بتطبيع فكرة الحركة والجري، وجعل الرياضة جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية والثقافة الجديدة للمدينة.
الجميع مرحب بهم
تقول ماريسول ابراهيم، وهي طبيبة اسنان تبلغ 22 عاماً، ان أكثر ما يميز النادي هو بساطته.
وتضيف: "هو مجتمع يهتم بالصحة والحركة، وليس مقتصراً على السوريين فقط، بل يجمع اشخاصاً من دول وثقافات واعمار مختلفة، والجري كان دائماً نقطة البداية بينهم".
وتؤكد ان النادي اصبح جزءاً مهماً من حياتها الشخصية.
وتقول: "تعرفت على اصدقاء كثيرين من خلاله، والجميع فيه مرحب ومحب للآخرين.. بعض الناس يأتون للتعرف على اشخاص جدد، وبعضهم يأتي مع اصدقائه، والبعض الآخر فقط ليجري.. لكن الجميع مرحب به".
اما رتاج شاهين، وهي من الاعضاء الدائمين، فتقول ان النادي منحها شعوراً جديداً بالانتماء.
وتضيف: "منذ ان انضممت الى 963، أصبح جزءاً من روتيني اليومي. المجتمع داعم ومحفز، ويدفعك دائماً لتكون أفضل".
وتقول ان الجري في شوارع دمشق منح التجربة معنى مختلفاً: "حتى لو كنا نركض بسرعات مختلفة، نشعر وكأننا نتحرك كوحدة واحدة. رؤية دمشق بهذه الطريقة مع الآخرين تجربة مميزة جداً".