قصة تروى

مكتب عنبر يستعيد حضوره الدولي.. جوهرة دمشق على قائمة الإيسيسكو

دمشق - سانا
15 يوليو 2026
مكتب عنبر يستعيد حضوره الدولي.. جوهرة دمشق على قائمة الإيسيسكو

دمشق - سانا

في قلب النسيج العمراني التاريخي لمدينة دمشق القديمة، المسجل على قائمة التراث العالمي لليونسكو، يقع أحد أجمل البيوت الدمشقية الكبيرة التي شيدت خلال العصر العثماني المتأخر، وهو مكتب عنبر، أحد أبرز نماذج العمارة الدمشقية في القرن التاسع عشر، وصاحب الدور المحوري في تاريخ التعليم والثقافة السورية.

ويشكل إدراج مكتب عنبر في مدينة دمشق على قائمة التراث في منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة «الإيسيسكو» محطة جديدة في مسار استعادة الحضور الدولي للتراث السوري، بعد انقطاع دام أربعة عشر عاماً، واعترافاً دولياً جديداً بالقيمة الحضارية والمعمارية لهذا الصرح التاريخي.

وتخصص زاوية نبض التراث في سانا الثقافية هذه المرة مساحتها للحديث عن مكتب عنبر، بعد إدراجه على قائمة “الإيسيسكو”، ويأتي هذا الإدراج ضمن حزمة من المواقع والمعالم السورية التي أقرتها الإيسيسكو أخيراً، في خطوة تعزز جهود حماية التراث الثقافي السوري، وتفتح آفاقاً أوسع أمام التعاون الدولي في مجالات الترميم والتوثيق والحفاظ على الهوية الحضارية، انطلاقاً من القيمة الاستثنائية التي يمثلها مكتب عنبر بوصفه شاهداً على مراحل متعاقبة من التاريخ الدمشقي.

رئيسة دائرة آثار دمشق نور كدالم أكدت في تصريح لـ سانا، أن هذا الإدراج يعزز مكانة دمشق بوصفها إحدى أهم الحواضر التاريخية في العالم الإسلامي، ويتيح فرصاً أوسع للتعاون مع المؤسسات الدولية في مجالات توثيق الموقع وترميمه وتبادل الخبرات الفنية، إضافة إلى إدخاله ضمن برامج التعريف بالتراث الإسلامي والثقافي على المستوى الدولي، ويسهم كذلك في تعزيز السياحة الثقافية، وإبراز مكتب عنبر باعتباره محطة رئيسية ضمن المسار التاريخي لمدينة دمشق القديمة، التي تضم مجموعة من أهم المعالم الأثرية والحضارية في المنطقة.

مكتب عنبر وارتباطه بدمشق القديمة

 لفتت كدالم إلى أن مكتب عنبر لا يمثل مجرد بناء أثري جميل، بل يعد سجلاً حياً لذاكرة دمشق الثقافية والتعليمية، وشاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ المدينة التي ظلت عبر العصور مركزاً للعلم والمعرفة والإبداع، وجزءاً أصيلاً من النسيج التاريخي لدمشق القديمة، وشاهداً على التنوع الحضاري الذي عرفت به المدينة، وتعاقبت عليها حضارات وثقافات متعددة، مع حفاظها على هويتها العمرانية الفريدة عبر القرون.

وتتضاعف أهمية إدراج مكتب عنبر على قائمة الإيسيسكو وفق كدالم من ارتباطه الوثيق بمدينة دمشق القديمة، إذ يقع في قلب النسيج العمراني التاريخي لها، ويعد من أجمل البيوت الدمشقية الكبيرة التي شيدت خلال العصر العثماني المتأخر، ويمثل شاهداً على التنوع الحضاري الذي عرفت به المدينة التي تعاقبت عليها حضارات وثقافات متعددة، ونجحت في الحفاظ على هويتها العمرانية الفريدة عبر القرون.

منارة للعلم والثقافة

تشير المديرية العامة للآثار والمتاحف، إلى أن القصر شيده التاجر الدمشقي يوسف عنبر في سبعينيات القرن التاسع عشر، ليكون داراً فخمة للإقامة، غير أن التكاليف الباهظة حالت دون إكمال المشروع، فآلت ملكيته لاحقاً إلى الدولة العثمانية، ومنذ ذلك الحين تغيرت وظيفة المبنى، ليصبح مدرسة حملت اسم «مكتب عنبر»، وهي من أهم المدارس المدنية التي شهدتها بلاد الشام في أواخر العهد العثماني، وتخرج فيها عدد كبير من الأدباء والمفكرين والسياسيين الذين كان لهم دور بارز في الحياة الثقافية والوطنية السورية والعربية.

واحتضن مكتب عنبر المدرسة الملكية التي كانت من أبرز المؤسسات التعليمية في دمشق، وأسهمت في تخريج أجيال من المثقفين الذين شاركوا في نهضة الفكر العربي بدايات القرن العشرين، وبذلك تحول مكتب عنبر إلى مؤسسة تعليمية أسهمت في تكوين نخبة من الشخصيات الفكرية والسياسية والأدبية، وغدا جزءاً أساسياً من ذاكرة الحركة الفكرية السورية.

وبعد الاستقلال، استمرت أهمية المبنى الثقافية، إذ استخدم في مراحل مختلفة مقراً لمؤسسات ثقافية وتعليمية، قبل أن تتولى محافظة دمشق أعمال ترميمه وتأهيله ليصبح مركزاً ثقافياً يحتضن المعارض والندوات والأنشطة الفكرية، محافظاً بذلك على رسالته المعرفية التي امتدت لأكثر من قرن.

تحفة معمارية تجسد فن العمارة الدمشقية

يتميز مكتب عنبر بتصميمه المعماري الفريد الذي يجمع بين الطراز الدمشقي التقليدي والزخارف العثمانية الراقية، ويعد نموذجاً متكاملاً لفنون العمارة السكنية في دمشق خلال القرن التاسع عشر، ويتألف المبنى من عدة باحات داخلية تتوسطها بحرات رخامية ونوافير مياه، وتحيط بها الإيوانات والغرف المزخرفة، فيما تزين جدرانه وأسقفه لوحات نباتية وهندسية منفذة بالخشب الملون والرخام والحجر الأبلق الذي اشتهرت به العمارة الدمشقية.

كما يضم القصر قاعات استقبال واسعة، وشرفات مطلة على الأفنية الداخلية، وأبواباً خشبية مطعمة بالصدف، إضافة إلى كتابات وزخارف عربية وإسلامية تعكس المستوى الرفيع للحرف التقليدية الدمشقية في تلك المرحلة.

ويرى باحثون في العمارة الإسلامية أن مكتب عنبر يمثل أحد أكثر الأبنية الدمشقية تكاملاً من حيث المحافظة على عناصره الأصلية، الأمر الذي جعله مرجعاً مهماً لدراسة تطور العمارة المدنية في بلاد الشام.

قيمة معمارية وتاريخية وثقافية 

تنبع أهمية مكتب عنبر من كونه يجمع بين القيمة المعمارية والتاريخية والثقافية في آن واحد، فهو يمثل أحد أبرز نماذج البيوت الدمشقية الكبرى، ويجسد تطور العمارة المحلية في القرن التاسع عشر، كما يرتبط بتاريخ التعليم الحديث في سوريا، ويختزن ذاكرة أجيال من الأدباء والمثقفين الذين شكلوا جزءاً من النهضة العربية الحديثة.

وتتجلى قيمته أيضاً في كونه شاهداً على مراحل متعاقبة من تاريخ دمشق، وعلى التحولات التي عرفها المبنى من قصر سكني فخم إلى مدرسة مدنية رائدة، ثم إلى مركز ثقافي يحتضن المعارض والندوات والأنشطة الفكرية.

جهود متواصلة للحفاظ على المعلم التاريخي

شهد مكتب عنبر خلال العقود الماضية عدداً من مشاريع الترميم والصيانة التي هدفت إلى الحفاظ على عناصره الأصلية، واعتمدت أعمال الترميم على الأساليب العلمية المتبعة في صون الأبنية التاريخية، مع الحفاظ على المواد التقليدية والزخارف الأصلية، بما يضمن استدامة المبنى وحمايته بوصفه جزءاً أصيلاً من النسيج التاريخي لمدينة دمشق القديمة.

وتؤكد المديرية العامة للآثار والمتاحف أن الحفاظ على هذا الصرح يمثل جزءاً من استراتيجية وطنية لحماية التراث الثقافي السوري وصونه للأجيال القادمة.

إدراج الإيسيسكو.. دعم للحماية والتوثيق

يمثل إدراج مكتب عنبر على قائمة الإيسيسكو دعماً للجهود الوطنية الرامية إلى حماية المعلم والحفاظ على عناصره المعمارية والفنية، كما يوفر إطاراً أوسع للتعاون الدولي في مجالات الترميم والتوثيق وتبادل الخبرات الفنية.

ويؤكد هذا الإدراج القيمة الاستثنائية للمبنى، ليس بوصفه نموذجاً متكاملاً للعمارة الدمشقية فحسب، بل باعتباره أيضاً مؤسسة ارتبطت بتاريخ التعليم والثقافة والحركة الفكرية والوطنية السورية والعربية، كما يعيد الإدراج الاعتبار إلى واحد من أبرز معالم دمشق القديمة، ويضعه مجدداً على خارطة التراث الإسلامي والعالمي، ضمن الجهود الرامية إلى التعريف بالتراث السوري وإبراز غناه وتنوعه الحضاري.

شارك المقال f 𝕏 in