بغداد - سدن
بعد أسابيع من إعلان الحكومة العراقية بدء تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة، لا تزال النتائج الميدانية بعيدة عن الأهداف المعلنة، وسط مؤشرات على أن الجزء الأكبر من الترسانات الفعلية للفصائل المسلحة ما زال خارج سيطرة الدولة، في وقت تصف فيه مصادر مطلعة ما يجري بكونه "إدارة للأزمة أكثر من كونه حلاً لها".
وكانت الحكومة قد أعلنت تشكيل لجنة مختصة لاستلام أسلحة الفصائل وتنظيم عملية دمج بعض عناصرها داخل المؤسسات الأمنية، ضمن خطة وصفت بأنها تمثل بداية مرحلة جديدة في إعادة احتكار الدولة للقوة.
إلا أن مصادر أمنية مطلعة أكدت لـ(سدن) أن ما جرى تسليمه حتى الآن لا يمثل القدرات الحقيقية للفصائل، بل اقتصر في معظمه على أسلحة قديمة أو متقادمة أو غير صالحة للاستخدام، كانت مخزنة منذ سنوات، فيما بقيت الأسلحة النوعية والمخازن الرئيسية خارج إطار التسليم.
وبحسب المصادر، فإن عدداً من الفصائل عمد إلى التخلص من أسلحة انتهى عمرها الفني أو أصبحت غير مجدية عسكرياً، بينما جرى الإبقاء على منظومات التسليح الحديثة في مواقع أخرى، الأمر الذي جعل عملية التسليم تبدو، حتى الآن، أقرب إلى خطوة شكلية منها إلى تفكيك حقيقي للترسانات المسلحة.
وتشير المعلومات المتوفرة في (سدن)، إلى أن الفريق الحكومي المشرف على الملف يواجه واحدة من أكثر القضايا تعقيداً منذ عام 2003، إذ تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية، بينما ترتبط بعض الفصائل بشبكات نفوذ مالية وعسكرية وإدارية تجعل أي تحرك ضدها محفوفاً بتوازنات داخلية وإقليمية شديدة الحساسية.
وترى المصادر أن اللجنة الحكومية تجد نفسها أمام معادلة صعبة، فهي مطالبة بإظهار تقدم في تنفيذ خطة حصر السلاح، لكنها في الوقت نفسه لا تمتلك حتى الآن الأدوات الكافية لإجبار جميع الفصائل على تسليم مخازنها الحقيقية، وهو ما جعل الملف يدور في حلقة مفرغة بين الاجتماعات والوعود والتسليمات المحدودة.
وتزداد تعقيدات المشهد مع استمرار حملة مكافحة الفساد، التي فتحت ملفات مالية وأمنية متشابكة، إذ تشير تقديرات إلى أن جزءاً من اقتصاد الفصائل يعتمد على شبكات تمويل وتهريب وحماية متبادلة، ما يجعل ملف السلاح مرتبطاً بصورة مباشرة بملف النفوذ الاقتصادي والسياسي، وليس مجرد قضية تتعلق بالمخازن العسكرية.
ويرى مراقبون أن أي تقدم حقيقي في هذا الملف لن يقاس بعدد البنادق أو الصناديق التي يجري تسليمها، وإنما بقدرة الدولة على الوصول إلى مخازن السلاح النوعي، ومنظومات الصواريخ والطائرات المسيرة، وشبكات القيادة والسيطرة، وهي الملفات التي ما تزال، وفق المعطيات المتوافرة، خارج دائرة المعالجة الفعلية.
وفي المقابل، تعول الحكومة على المرحلة المقبلة، ولا سيما في ظل التنسيق المتصاعد مع الولايات المتحدة وشركاء العراق الدوليين، لتوفير دعم سياسي واستخباري يعزز قدرتها على الانتقال من التسليم الطوعي إلى فرض سيادة الدولة على كامل السلاح خارج المؤسسات الرسمية.
ويرى محللون أن نجاح حملة مكافحة الفساد وحصر السلاح أصبحا ملفاً واحداً، إذ يصعب تجفيف منابع التمويل مع بقاء السلاح خارج سلطة الدولة، كما يصعب نزع السلاح من دون تفكيك شبكات النفوذ التي تحميه، وهو ما يجعل المرحلتين مترابطتين في نظر صناع القرار، مع اقتراب استحقاقات سياسية وأمنية قد تحدد شكل الدولة العراقية خلال السنوات المقبلة.