تفكيك

تحقيق إسرائيلي يفتح صندوقاً أسود في السليمانية..
مصنع سري للأسلحة يزود السوق السوداء ويقلد البنادق الإسرائيلية

لندن - سدن
10 يوليو 2026
تحقيق إسرائيلي يفتح صندوقاً أسود في السليمانية..
مصنع سري للأسلحة يزود السوق السوداء ويقلد البنادق الإسرائيلية

لندن - سدن

كشف تحقيق موسع نشره الصحفي عوديد يارون في صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية، تفاصيل مثيرة عن مصنع أسلحة أُنشئ في مدينة السليمانية قبل نحو عقد، يقول التحقيق إنه تحول إلى أحد أهم مصادر السلاح غير الشرعي في الشرق الأوسط، بينما انتهى مديره الأمريكي إلى السجن بعد إدانته بتهريب الأسلحة والتعذيب.

وبحسب التحقيق، فإن المصنع أُقيم قرب الحدود الإيرانية بمبادرة من الحزب الحاكم في المنطقة، وبتمويل من مجموعة (فاروق)، إحدى أكبر التكتلات الاقتصادية في العراق، فيما أوكلت إدارته إلى الأمريكي روس روجيو، وهو جندي مظلي سابق، قبل أن تتحول تجربته إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة في صناعة السلاح غير الشرعية.

ويقول التحقيق إن آلاف البنادق والمسدسات التي خرجت من خطوط إنتاج المصنع انتشرت في الأسواق السوداء بالشرق الأوسط، وإن ما لا يقل عن 200 قطعة سلاح هربت إلى إسرائيل والضفة الغربية، حيث استخدم بعضها في عمليات ارهابية وأخرى في جرائم اغتيال.

نسخ طبق الأصل من الأسلحة الإسرائيلية

التحقيق يكشف أيضاً أن جانباً كبيراً من الأسلحة المنتجة في المصنع لم يكن تصميماً مستقلاً، بل عبارة عن نسخ مقلدة لبنادق ومسدسات إسرائيلية.

ووفقاً لـ(هآرتس)، فإن خبراء الأسلحة لاحظوا خلال السنوات الماضية ظهور علامة تجارية غامضة تحمل اسم Delta Defense Group (D.D.G.) وشعاراً دائرياً يتوسطه ما يشبه قلعة الشطرنج وسط ألسنة اللهب، وهو شعار أثار اهتمام الباحثين بسبب تشابهه مع بعض الرموز العسكرية الإسرائيلية.

وقال المحلل في مركز أبحاث الأسلحة والذخائر ARES، ميك ب.، للصحيفة، إن أسلحة D.D.G. تباع على نطاق واسع في السوق السوداء العراقية، ثم تهرب إلى دول الجوار، مؤكداً أن مسدسات هذه العلامة ظهرت في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، ووصل بعضها إلى دول أبعد مثل بريطانيا وليبيا.

وأضاف أن حجم انتشار هذه الأسلحة يوحي بأنها صنعت منذ البداية خصيصاً لتغذية السوق السوداء، وليس لتلبية عقود عسكرية نظامية.

لغز استمر سنوات

وبحسب التحقيق، بقي مصدر أسلحة D.D.G. مجهولاً لسنوات، قبل أن تبدأ خيوط القضية بالانكشاف عقب تحقيق أجراه مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) عام 2016 بشأن تصدير غير قانوني لمكونات أسلحة من الولايات المتحدة إلى العراق.

وأدى التحقيق إلى تعقب الأمريكي روس روجيو، الذي سبق أن أسس شركة لتسويق البنادق الهجومية في الولايات المتحدة، قبل أن تنهار بعد اكتشاف عيوب كبيرة في منتجاتها.

ورغم فشل تجربته الأولى، استغل روجيو علاقاته السابقة داخل القوات الخاصة الأمريكية للتواصل مع مسؤولين كبار في إقليم كردستان، كانوا يسعون إلى إنشاء مصنع محلي لإنتاج السلاح.

إشراف قيادات في الاتحاد الوطني الكردستاني

وتقول (هآرتس)، استناداً إلى وثائق المحكمة وتحقيق سابق نشرته مجلة Rolling Stone، إن روجيو عين عام 2014 من قبل قيادات في الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يسيطر على محافظة السليمانية.

ووفق التحقيق، كان يشرف عليه كل من بولاد طالباني، قائد وحدة مكافحة الإرهاب التابعة للحزب، وشقيقه لاهور طالباني، الرئيس المشارك للحزب آنذاك ورئيس جهاز المخابرات.

وكان الهدف، بحسب الوثائق، إنشاء خط إنتاج قادر على تصنيع نحو 3000 بندقية هجومية وآلاف مسدسات (غلوك) شهرياً لتجهيز قوات البيشمركة.

من مشروع عسكري إلى فضيحة مالية

وبحلول عام 2016 أصبح المصنع يعمل بكامل طاقته، إلا أن المشاكل بدأت سريعاً.

وتقول الصحيفة إن روجيو لم يكتف براتبه السنوي الذي بلغ نحو مليون دولار، بل أنفق ملايين الدولارات المخصصة للمعدات الصناعية على شراء ساعات فاخرة وسيارات رياضية، ثم لجأ إلى شراء آلات رخيصة ورديئة لتعويض النقص.

وتضيف أن القضية تصاعدت عندما خشي روجيو من كشف أحد موظفيه لعمليات الاحتيال، فأمر عناصر محليين باختطافه وتعذيبه قرابة أربعين يوماً.

وفي عام 2017، ألقي القبض عليه فور عودته إلى الولايات المتحدة، وبعد محاكمة في محكمة فيدرالية بولاية بنسلفانيا، أُدين عام 2023 بتهريب الأسلحة والتعذيب، وصدر بحقه حكم بالسجن 70 عاماً.

علاقات وثيقة مع إيران

ونقلت (هآرتس) عن الباحثة إليزابيث تسوركوف قولها إن الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يقف وراء المصنع، يتمتع بعلاقات اقتصادية وسياسية وثيقة مع إيران، كما تربط عدداً من قياداته علاقات قوية بحلفاء طهران داخل العراق، بمن فيهم فصائل تصنفها الولايات المتحدة منظمات إرهابية.

هندسة عكسية لأسلحة إسرائيلية

ويشير التحقيق إلى أن اسم D.D.G. بدأ يظهر منذ عام 2019 في تقارير متخصصة ومنتديات عسكرية ومجموعات تجارة السلاح على تطبيق (تلغرام)، حيث لاحظ الباحثون أن البنادق والمسدسات تحمل تصاميم تكاد تكون مطابقة لنظيراتها الإسرائيلية.

وبعد تحليل عشرات الصور والاستعانة بخبراء أسلحة، خلصت (هآرتس) إلى أن:

* بندقية D.D.G. M4 نسخة مقلدة من بندقية MZ-4 الإسرائيلية التي تنتجها شركة إميتان.

* مسدس D.D.G. 19 نسخة من مسدس رامون الإسرائيلي المبني على تصميم “غلوك” النمساوي.

* مسدسا D.D.G. C5 وC6 يقلدان مسدسي شيروكي وشيروكي FS اللذين تنتجهما شركة بول أرموري الإسرائيلية.

ولفت التحقيق إلى أن حتى عبارات التحذير المحفورة على الأسلحة جاءت مطابقة تقريباً للنصوص الموجودة على النماذج الإسرائيلية الأصلية.

وقال مصدر عمل لسنوات في الصناعات الدفاعية إن هناك تفاصيل دقيقة في تصميم هذه المسدسات تتطابق بشكل كامل مع المنتجات الإسرائيلية.

كما أكد مؤرخ الأسلحة البريطاني جوناثان فيرغسون، أمين قسم الأسلحة النارية في الترسانة الملكية البريطانية، أن السلطات البريطانية استشارته بعد ضبط أحد هذه المسدسات داخل المملكة المتحدة، وأنه وجهها إلى دراسات توثق التشابه الكبير مع النماذج الإسرائيلية.

أسلحة استخدمت في عمليات قتل

ووفق البيانات التي استعرضتها (هآرتس)، بلغت عمليات تهريب هذه الأسلحة ذروتها خلال عام 2022، إلا أنها ما تزال تتدفق حتى اليوم.

وأشار التحقيق إلى أن مسدساً من إنتاج D.D.G. استخدم في شباط/فبراير 2023 في اغتيال الإسرائيلي إيلان غانيلز شمال البحر الميت.

كما ضبط الشهر الماضي مسدس من الطراز نفسه في طولكرم، بينما ضبطت الشرطة الإسرائيلية في آذار الماضي مسدساً مماثلاً بحوزة مشتبه بهما في محاولة اغتيال داخل تل أبيب.

كيف وصلت النماذج الإسرائيلية؟

ويبقى السؤال الأبرز، بحسب التحقيق: كيف وصلت النماذج الإسرائيلية الأصلية إلى المصنع في كردستان؟ ولا يقدم التحقيق جواباً حاسماً.

ففي إفادته أمام المحكمة، قال روجيو إنه سلم المصنع ثلاث عينات من البنادق، إحداها صينية، والثانية أمريكية من إنتاج (كولت)، والثالثة إسرائيلية.

كما نقلت (هآرتس) عن موظف سابق في المصنع أن المهندسين كانوا يعتمدون على تلك العينات لتنفيذ عملية الهندسة العكسية وبدء التصنيع، مؤكداً أنهم لم يكونوا يعرفون المصدر الحقيقي للأسلحة، وأن روجيو نفسه كان يروي باستمرار قصصاً مبالغاً فيها عن عمليات تهريب معقدة لتعزيز صورته أمام العاملين.

وأضاف أن العاملين اعتمدوا أيضاً على معلومات تقنية واسعة جمعت من شبكة الإنترنت لإكمال عمليات النسخ والتصنيع.

المصنع لا يزال يعمل

وتقول (هآرتس) إن صوراً حديثة متداولة الأسبوع الماضي داخل مجموعات تجارة السلاح على (تلغرام) تظهر استمرار طرح أسلحة جديدة تحمل علامة D.D.G. في السوق السوداء، ما يرجح أن المصنع في السليمانية ما يزال يعمل حتى الآن.

وأكد المحلل ميك ب. أنه لا يزال يعثر بشكل مستمر على مسدسات جديدة تحمل هذه العلامة التجارية.

ويختم التحقيق بمفارقة لافتة، إذ إن النسخ المقلدة تباع في السوق السوداء بأسعار أعلى من الأسلحة الإسرائيلية الأصلية.

فمسدس D.D.G. C5 يعرض في كردستان بنحو 1400 دولار، بينما يصل سعره بعد تهريبه إلى إسرائيل إلى عشرات آلاف الشواكل، في حين لا يتجاوز سعر المسدس الإسرائيلي الأصلي من طراز شيروكي نحو 2500 شيكل، أي ما يعادل 830 دولاراً.

ويرى المحلل السياسي في (سدن)، أن ما كشفته (هآرتس) لا ينبغي التعامل معه باعتباره قضية جنائية تخص تهريب أسلحة فحسب، بل بوصفه فضيحة أمنية وسياسية دولية تمس الأمن القومي للعراق والمنطقة بأكملها.

ويؤكد أن الأخطر في التقرير ليس وجود مصنع سري أو انتشار أسلحة في السوق السوداء، بل أن الإنتاج جرى – بحسب التحقيق – داخل كيان سياسي يمتلك نفوذاً أمنياً وعسكرياً، بما يعني أن القضية تتجاوز نشاط عصابة أو شبكة تهريب، لتطرح تساؤلات عن مسؤولية الجهات التي سمحت بقيام هذا المشروع، والجهات التي استفادت منه طوال سنوات.

ويضيف أن العراق لا يستطيع تجاهل ما ورد في هذا التحقيق إذا كانت المعلومات الواردة فيه صحيحة، لأن الحديث يدور عن أسلحة خرجت من الأراضي العراقية ووصلت إلى ساحات نزاع وعمليات اغتيال عبر الحدود، وهو ما قد يضع بغداد أمام استحقاقات قانونية ودبلوماسية وأمنية معقدة.

ويختم بالقول إن هذه القضية تستدعي تحقيقاً عراقياً مستقلاً وشفافاً، لكشف حقيقة ما جرى، وتحديد المسؤوليات، ومنع تحول أي جزء من الأراضي العراقية إلى منصة لإنتاج أو تهريب السلاح خارج سلطة الدولة، لأن بقاء مثل هذه الملفات دون مساءلة يهدد سمعة العراق ويقوض أي جهود لترسيخ سيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة.

شارك المقال f 𝕏 in