لم يعد ملف الصين داخل إيران مجرد شراكة اقتصادية تبحث عن النفط والأسواق والعقود التجارية، بل تحول تدريجياً إلى جزء من البنية الدفاعية والسيادية للنظام نفسه.
ولهذا، لم يكن قرار تكليف رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بالإشراف على العلاقة مع الصين خطوة عادية، بل إشارة واضحة إلى أن طهران باتت تنظر إلى بكين بوصفها خط الحماية الاستراتيجية في مواجهة الحرب والعقوبات والضغوط الأميركية.
فالمرحلة الحالية، من وجهة النظر الإيرانية، لم تعد تحتمل إدارة العلاقة مع الصين عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية وحدها، خصوصاً مع تصاعد التوتر في الخليج، واستمرار التهديدات المتعلقة بمضيق هرمز، وتزايد الحديث الأميركي عن دور صيني محتمل في الضغط على إيران لخفض التصعيد.
قاليباف.. رجل الدولة الأمنية لا الدبلوماسية
اختيار قاليباف يحمل بحد ذاته رسالة سياسية عميقة، فالرجل ليس دبلوماسياً تقليدياً، بل أحد أبناء المؤسسة الأمنية والعسكرية الإيرانية، ويمثل نموذج (السياسي الأمني) القادر على التحرك بين البرلمان والحرس الثوري ومراكز القرار العليا.
هذا النوع من الشخصيات لا يُستدعى عادة لإدارة ملفات تجارية أو بروتوكولية، بل للملفات التي تتقاطع فيها الحرب، والطاقة، والعقوبات، والممرات البحرية، والأمن القومي. وبالتالي، فإن نقل ملف الصين إلى قاليباف يعني عملياً أن طهران أعادت تعريف علاقتها مع بكين باعتبارها ملفاً سيادياً حساساً، لا مجرد شراكة اقتصادية.
إيران تخشى الحياد الصيني
تدرك إيران أن الصين ليست حليفاً عقائدياً لها، بل قوة عظمى تحكمها المصالح الباردة.
صحيح أن بكين تحتاج النفط الإيراني، وتستفيد من موقع إيران الجيوسياسي، لكنها في الوقت نفسه لا تريد انهيار التجارة العالمية، أو تهديد طرق الطاقة، أو الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن بسبب طهران، ومن هنا، تبدو المخاوف الإيرانية الحقيقية مرتبطة باحتمال تحوّل الصين من (شريك متفهم) إلى (وسيط ضاغط) يطالب إيران بتنازلات استراتيجية مقابل احتواء الحرب، خصوصاً بعد القمة الأميركية – الصينية الأخيرة، التي حاولت واشنطن من خلالها الإيحاء بأن بكين تستطيع لعب دور مؤثر في ملف مضيق هرمز والتصعيد الإقليمي.
طهران تقرأ هذه الإشارات بحذر شديد، وتفهم أن أخطر ما قد يحدث ليس انحياز الصين الكامل إلى الولايات المتحدة، بل أن تبدأ بكين بإدارة الأزمة الإيرانية وفق حساباتها الخاصة، لا وفق احتياجات النظام الإيراني.
لماذا أصبحت الصين رئة النظام؟
خلال السنوات الماضية، تحولت الصين عملياً إلى أحد أهم منافذ بقاء الاقتصاد الإيراني، فهي المشتري الأكبر للنفط الإيراني بطرق مباشرة وغير مباشرة، والممر المالي والتجاري الأهم للالتفاف على العقوبات، والشريك القادر على إبقاء جزء من الاقتصاد الإيراني متماسكاً رغم الحصار.
ولهذا، ترى طهران أن أي اهتزاز كبير في العلاقة مع بكين قد يتحول سريعاً إلى أزمة داخلية اقتصادية وسياسية وأمنية، وهنا يمكن فهم سبب إدخال مؤسسات القوة الصلبة في إدارة الملف الصيني، بدلاً من إبقائه ضمن الإطار الدبلوماسي التقليدي.
صعود قاليباف داخل معركة ما بعد الحرب
داخلياً، يمنح هذا التكليف قاليباف موقعاً متقدماً داخل واحدة من أخطر دوائر القرار الإيراني في هذه المرحلة.
فالملف الصيني اليوم يتقاطع مع العقوبات، والنفط، والاقتصاد، والحرب، والعلاقة مع واشنطن، ومستقبل النظام نفسه، ونجاح قاليباف في إدارة هذه العلاقة سيترجم داخل إيران كنجاح في حماية خط النجاة الاقتصادي والسياسي للجمهورية الإسلامية، وخطوة في إعادة تشكيل تدريجية لموازين القوى داخل النظام، حيث يجري ربط الملفات الخارجية الكبرى بشكل متزايد بالبنية الأمنية والسيادية، وليس فقط بالحكومة أو الخارجية الإيرانية.
ما الذي تخشاه طهران فعلاً؟
المشكلة بالنسبة لإيران ليست فقط في الحرب الحالية، بل في شكل العالم الذي قد يخرج بعدها، فطهران تدرك أن المواجهة مع الولايات المتحدة لم تعد تحسم بالصواريخ وحدها، بل بقدرتها على منع الدول المؤثرة، وفي مقدمتها الصين، من التحول إلى أدوات ضغط عليها، ولهذا يبدو أن النظام الإيراني قرر التعامل مع بكين باعتبارها شريكاً اقتصادياً، ومتنفساً مالياً، وخط حماية سياسي.. وفي الوقت نفسه: خطراً محتملاً إذا تغيرت الحسابات الدولية.
وهنا تحديداً، يدخل قاليباف إلى المشهد، ليس كرجل برلمان، بل كرجل مرحلة ترى فيها طهران أن معركة بقائها قد تمر هذه المرة عبر بكين، بقدر ما تمر عبر مضيق هرمز أو ساحات الحرب المفتوحة.