لندن - سدن
أثارت تصريحات المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة أنور قرقاش اهتماماً واسعاً، بعدما قدّم واحدة من أكثر القراءات الخليجية وضوحاً بشأن تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ومستقبل العلاقة مع طهران، ودور الولايات المتحدة، واتفاقيات أبراهام، والتحولات الأمنية الجديدة في المنطقة.
وجاءت تصريحات قرقاش خلال حوار أجراه مع فريدريك كيمبي على هامش المنتدى الأوروبي الخليجي الذي عُقد في اليونان، بتنظيم مشترك بين المجلس الأطلسي ومجموعة (أنتينا).
أسوأ سيناريو.. والخليج يكتشف حدود الاحتواء
وقال قرقاش إن الحرب الأخيرة كانت حرباً لم ترغب بها دول الخليج، لكنها كانت تتوقعها وتحاول تجنبها، مؤكداً أن الإمارات ودولاً خليجية أخرى قدمت ضمانات علنية وسرية لإيران بأن أراضيها ومنشآتها لن تُستخدم في أي عمل عسكري ضدها.
إلا أنه أشار إلى أن استهداف إيران أعقبه، خلال أقل من ساعة، استهداف مباشر لدول الخليج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، معتبراً أن ذلك يكشف عن وجود خطة إيرانية معدّة مسبقاً للتعامل مع أي هجوم واسع على طهران.
ووصف قرقاش ما حدث بأنه أسوأ سيناريو ممكن بالنسبة لدول الخليج، قائلاً إن النقاش الخليجي الطويل بين دعاة التشدد تجاه إيران وأنصار الانفتاح والحوار انتهى عملياً لصالح الفريق الذي كان يحذر من الخطر الإيراني.
وأضاف أن دول الخليج، بما فيها الإمارات، كانت تراهن على أن العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إيران ستخلق شبكة مصالح متبادلة تمنع التصعيد، إلا أن الحرب الأخيرة أظهرت، بحسب تعبيره، أن كل ذلك قد فشل.
العلاقات قد تعود.. لكن الثقة انتهت
وأكد قرقاش أن العلاقة مع إيران لن تختفي بالكامل، مرجحاً عودة الاتصالات والعلاقات تدريجياً مستقبلاً، لكنه شدد على أن الثقة انهارت، وأن استعادتها ستحتاج إلى وقت طويل.
ورفض ربط استهداف الإمارات باتفاقيات أبراهام أو أي مبررات أخرى جرى تداولها، معتبراً أن ما قامت به إيران كان خياراً استراتيجياً قصير النظر، نابعاً من الإحباط بعد تعرضها لهجوم من قوة عسكرية متفوقة.
كما رأى أن هذه الاستراتيجية الإيرانية خلّفت عواقب استراتيجية خطيرة على طهران نفسها وعلى شكل علاقتها المستقبلية بدول الخليج.
انتقاد خليجي غير مسبوق لأداء مجلس التعاون
وفي واحدة من أكثر تصريحاته حساسية، أبدى قرقاش خيبة أمله من أداء مجلس التعاون الخليجي خلال الحرب، قائلاً إن المجلس لم يرتقِ إلى مستوى التهديد الوجودي الذي واجه المنطقة.
وأشار إلى أن المجلس سبق أن أظهر قدرة جماعية عالية خلال غزو الكويت وأحداث الربيع العربي، لكنه هذه المرة لم يقدّم استجابة استراتيجية موحدة بحجم التهديد الإيراني.
ورغم إشارته إلى وجود تعاون ودعم لوجستي وثنائي بين بعض دول الخليج، إلا أنه شدد على ضرورة تطوير تكامل أمني أكبر داخل المجلس، بالتوازي مع بناء القدرات الوطنية لكل دولة.
كما أشاد بما وصفه بالصمود القوي لبعض دول الخليج، مستشهداً بالهجوم الذي تعرضت له البحرين وطريقة تعاملها معه.
واشنطن تعود إلى مركز الخليج
ورأى قرقاش أن الحرب الأخيرة أعادت الولايات المتحدة إلى موقع أكثر مركزية في الخليج، بدلاً من أن تُضعف دورها كما كانت تأمل إيران.
وقال إن وجود جار عدواني مستعد لاستهداف المدنيين والبنية التحتية ومنشآت الطاقة يجعل الحاجة إلى التحالف مع واشنطن أكبر من أي وقت مضى.
وأضاف أن إيران تنظر إلى نفسها تقليدياً كقوة إقليمية تسعى للتفاوض مباشرة مع الولايات المتحدة، وهو ما ظهر في طريقة تعاملها مع جولات التفاوض الأخيرة.
وشدد على أن الأولوية الخليجية الأساسية تتمثل في منع إيران من تحقيق أي مكاسب جيوسياسية بعد الحرب، وخاصة فيما يتعلق بـمضيق هرمز، مؤكداً أن حرية الملاحة في المضيق لا يمكن تغييرها بعد مئات السنين.
البرنامج النووي الإيراني.. مصدر قلق أكبر
وأكد قرقاش أن الهجمات الإيرانية الأخيرة رفعت مستوى القلق الخليجي من البرنامج النووي الإيراني إلى مستويات غير مسبوقة.
وقال إن ما تعتبره طهران ضمانة لأمن النظام بات يُنظر إليه خليجياً باعتباره تهديداً خطيراً، خصوصاً بعد استعداد إيران لاستخدام قوتها العسكرية ضد دول الخليج بشكل مباشر.
وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن الحديث الإيراني عن عدم الاعتداء والتعويضات لا يقتصر على طهران وحدها، بل إن دول الخليج تمتلك الحق ذاته في المطالبة بضمانات مماثلة.
اتفاقيات أبراهام تزداد قوة
وفي حديثه عن إسرائيل واتفاقيات أبراهام، قال قرقاش إن الحرب غيّرت إدراك التهديدات في المنطقة، موضحاً أن دول الخليج لم تتعرض لآلاف الصواريخ من إسرائيل، بل من إيران.
ورأى أن الاستراتيجية الإيرانية التي هدفت إلى تقويض النفوذ الأميركي في المنطقة أدت عملياً إلى نتائج معاكسة، عبر تعزيز أهمية الولايات المتحدة وفتح فرص إضافية أمام إسرائيل.
وأكد أن العلاقة بين الإمارات وإسرائيل رسمية وشفافة، متوقعاً أن تصبح أكثر قوة وأهمية خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع تصاعد النظرة إلى إيران باعتبارها تهديداً استراتيجياً مباشراً.
وفي المقابل، شدد على أن الإمارات لا تزال تؤمن بأن الحوار هو الطريق لتغيير واقع المنطقة، رغم استمرار الخلافات مع إسرائيل بشأن القضية الفلسطينية وحل الدولتين.
وأشار إلى أن الإمارات تمكنت من لعب دور إنساني واسع في غزة، موضحاً أن 45% من المساعدات الإنسانية المقدمة للقطاع جاءت من الإمارات، إضافة إلى تشغيل محطات تحلية مياه توفر المياه لنحو 600 ألف فلسطيني يومياً.
أوروبا والخليج.. فرصة جديدة
وفي ختام حديثه، قال قرقاش إن العلاقات الأوروبية الخليجية أقل من مستوى التوقعات، لكنها تمتلك فرصاً كبيرة للنمو في ظل التحولات الدولية الحالية.
وأضاف أن المنتدى الأوروبي الخليجي أظهر وجود تعاطف ودعم أوروبي واضح تجاه دول الخليج بعد الهجمات الإيرانية، إلى جانب قلق مشترك بشأن مستقبل المنطقة وأمن الملاحة في مضيق هرمز.