الوضع في مالي متفجر، والمرتزقة يلعبون دوراً محورياً في إبقاء البلاد على صفيح ساخن. "مجموعات عسكرية أجنبية خاصة" تعمل كأذرع عسكرية لجهات عدة، أبرزها النظام الحاكم في مواجهة الحركات الانفصالية. وقبل أيام، وفي مناسبة مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب الأهلية في السودان، أفاد تقرير أممي بأن جماعة مسلحة في ليبيا ساعدت على نقل "عسكريين" كولومبيين سابقين للقتال إلى جانب قوات "الدعم السريع" ضد الجيش السوداني.
ليبيا نفسها لم تكن بعيدة من المشهد
"القتالي" الفريد. شركات أمن خاصة، وعسكريون سابقون، ومجموعات قتالية
ظلوا جزءاً من الصراع الدموي سنوات. سوريون حاربوا في صفوف ميليشيات وجماعات
متطرفة. مقاتلون من "فاغنر" حاضرون. الطرفان المتقاتلان استعانا
بمقاتلين من دول جنوب الصحراء. مقاتلون من تشاد والسودان، جماعات مسلحة من دارفور،
وغيرهم غذوا فتيل الصراع على مدار سنوات.
سوريا كذلك حفلت طوال سنوات الحرب
الأهلية بقوات أجنبية تشابكت خطوطها وتداخلت خيوطها حتى بات من الصعب فهم من حارب
من، ولماذا؟ مقاتلون روس وشيشانيون وأفغان وإيغور وبريطانيون وفرنسيون وتونسيون
ومصريون وألبان وأتراك والقائمة طالت، حتى أصبحت ملفاً شائكاً ملغوماً فيه أسئلة
بلا إجابات عن مصيرهم واقتصادهم وعودتهم إلى بلادهم أو اندماجهم، والأخطار التي قد
يتسببون فيها ضمن منطقة على صفيح ساخن.
في حرب روسيا بأوكرانيا التي دخلت
عامها الرابع، يشارك مقاتلون أجانب على الجانبين. على الجانب الأوكراني عسكريون
سابقون أميركيون وبريطانيون وكنديون وجورجيون. وعلى الجانب الروسي، يحارب كثر من
جنسيات آسيوية وأفريقية. والغريب في هذه الحرب أن مقاتلين من جنسيات واحدة وجدوا
أنفسهم في مواجهة مع بعضهم بعضاً، بحسب جهة توقيع العقد. الأغرب من ذلك، هو وجود
مقاتلين روس في الصفوف الأوكرانية، ومقاتلين أوكرانيين بالصفوف الروسية.
المرتزقة الأوائل
يخبرنا التاريخ بأن تاريخ الاستعانة
بمقاتلين أجانب قديم. "الجنود المحترفون" الذين يعملون خارج نطاق الولاء
الوطني بغرض تحقيق الربح مثبت في كتب التاريخ. تتعدد الروايات، ويختلف المؤرخون
على من كان المرتزقة الأول، ومن استعان بهم في البداية. الغالبية أجمعت أن تاريخ
"المقاتل المحترف" يعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، تحديداً في
بلاد ما بين النهرين.
مصر القديمة استعانت بمقاتلين أجانب في
القرن الـ15 ق. م، على رغم امتلاكها جيشاً قوياً، وذلك لتسريع القتال في بعض
الغزوات. كذلك فعل عدد من الحضارات القديمة القوية. وظلت الفكرة تتطور وتتغير،
ومعها الصورة الذهنية والاجتماعية المرتبطة بالمقاتل المحترف أو الأجنبي الذي يجري
التعاقد معه من أجل الاستفادة به قتالياً أو عسكرياً في حرب أو صراع في دولة غير
تلك التي يحمل جنسيتها.
"مرتزقة" و"مقاتلون
أجانب" و"ميليشيات مؤجرة" و"جماعات مقاتلة أجنبية"
وغيرها، عبارات وتسميات جميعها يحمل صورة نمطية سلبية، باعتبارهم "قتلة
مأجورين".
إنها الصورة المترسخة حالياً بفعل
مجموعات مقاتلة في غير أراضيها مثل "فاغنر" الروسية المنتشرة في كثير من
الدول، ومؤسسات ارتبط اسمها بفضائح وفظائع مثل "بلاك ووتر"
و"نشاطها" في العراق، والمقاتلون الأجانب في الحرب الأهلية في سوريا
ومعضلة عودتهم إلى دولهم أو تجنيسهم، وعقود القتال محددة المدة التي يحملها إعلان
لـ"أفراد أمن" مدربين على القتال، دون توضيح موقع العمل أو طبيعته،
وغيرها كثير.
لا يمر يوم، وأحياناً ساعة، دون خبر
يُذكر فيه المرتزقة. روسيا تقول إنها قتلت 30 بولندياً من المرتزقة بأوكرانيا،
وصراع في مالي من أجل خروج مرتزقة "فاغنر"، قتلى بين صفوف مرتزقة
أوغنديين في روسيا، واختلاف حول حجم المرتزقة الكولومبيين في السودان، وقوائم
الدول التي يعتقد أن مرتزقة أو مقاتلين أجانب موجودون فيها تشمل بوركينا فاسو
وتشاد ومدغشقر وجمهورية الكونغو الديمقراطية وموريتانيا وفنزويلا والنيجر وغيرها
كثير.
كما أن قوائم الدول التي تعد مراكز
توظيف أو تجنيد كثيرة، وتأتي على رأسها كولومبيا والسودان وسوريا وبولندا وجورجيا،
مع الإشارة إلى أن تصدير المرتزقة أمر وثيق الصلة بالسياسة والمصالح والمنافسات
الجيوسياسية، قبل أن يكون عرضاً من أعراض الاقتصاد.
الغالبية المطلقة تعد
"المرتزق" و"المقاتل الأجنبي" شخصاً واحداً، لكن الحقيقة
أنهما مختلفان. بحسب "المركز الدولي لمكافحة الإرهاب" في لاهاي، يحمل
كلاهما جنسية أجنبية، ويمكنهما إطالة أمد النزاع أو تعقيده، فكلما طالت مدة
الصراع، ظل "المقاتل" على قائمة الحاصلين على رواتب أو مكافآت. كلاهما
أيضاً عرضة للانخراط في أنشطة إرهابية، أو جرائم منظمة أو كليهما. وتحفل قوائم
توثيق جرائم الحروب بعدد من الانتهاكات الجسيمة التي جرى ارتكابها على أيدي هؤلاء
وأولئك. وعلى رغم ذلك، فإن المقاتل الأجنبي غالباً ينضم إلى حرب أو صراع ليحارب
بناءً على أسباب أيديولوجية، بينما الدافع الأول والأخير للمرتزقة هو تحقيق مكاسب
مالية. وتظل العوامل التي تدفع كليهما للانضمام إلى حرب هنا أو صراع هناك بالغة
التشابك والتعقيد، بصورة تجعل التمييز بينها أمراً بالغ الصعوبة.
ويبقى كل من "المرتزقة"
و"المقاتل الأجنبي" موصوماً، أو في الأقل مرتبطاً بمهنة سيئة السمعة،
لدى الغالبية المطلقة من سكان الأرض، بما في ذلك الأسر التي يحارب أحد أو بعض
أفرادها في صفوف الصراعات أو الحروب الأجنبية.
جيوش خاصة
ويشير أستاذ الاستراتيجيات في
"جامعة الدفاع الوطني" الأميركية والخبير في شؤون المرتزقة ومتعاقدي
الخدمات العسكرية الخاصة شون مكفيت، في ورقة عنوانها "المرتزقة والحرب: فهم
الجيوش الخاصة اليوم" (2019)، إلى أن هالة الوصم والتحريم المفروضة على
المرتزقة "اختراع حديث"، لا يتجاوز عمره بضع مئات من السنوات، فكثيراً
ما عدت المرتزقة مهنة شريفة، وإن كانت دموية، لافتاً إلى أنها لم توصم بالعار إلا
خلال القرنين الماضيين.
يشار إلى أن كلمة مرتزقة بالإنجليزية Mercenary مشتقة من اللاتينية Mercēnārius وتعني توظيف أو دفع أجر
في مقابل عمل.
ويصف مكفيت سبب الاستعانة بالمرتزقة
بـ"البسيط"، وهو أن استئجار قوة أرخص من امتلاكها، إذ تمويل والإبقاء
على قوات مسلحة نظامية أمر بالغ الكلفة، تماماً مثل امتلاك طائرة خاصة في مقابل
شراء تذكرة طائرة عند الحاجة، موضحاً أن هذا كان الوضع السائد في عدد من العصور
التاريخية السابقة، وذلك قبل بزوغ منظومة الجيش الوطني.
يشير المتخصص في منظومة المرتزقة إلى
عدم وجود إجماع من قبل الخبراء حول من هو المرتزق؟ وأن كثراً يتجنبون استخدام كلمة
"مرتزق" بسبب الوصمة المرتبطة بها. يسمون هؤلاء المقاتلين في القطاع
الخاص "متعاقدين عسكريين خاصين، وشركات أمن خاصة، وشركات عسكرية خاصة، مقدمي
خدمات عسكرية، ومتعاقدين عملياتيين، ومتعاقدين موقتين" وغيرها.
ويرى مكفيت أن الظهور المكثف للفئة
الحديثة من المحاربين خلال التسعينيات أدت إلى طوفان من الاهتمام والبحث في شؤون
المرتزقة والمقاتلين الأجانب. مشيراً إلى أن التسميات المختلفة ليست إلا محاولات
تلطيفية للتخفيف من حدة الوصم.
هل تستبدل دول أفريقية جيوشها بحشود
المرتزقة؟
ويحدد خمس سمات تميز المرتزقة عن
الجنود والجهات المسلحة غير الحكومية مثل الإرهابيين، الأولى أن دافعهم الأساس هو
الربح لا السياسية، وإن كانوا لا يتجاهلون تماماً المصالح السياسية، لكن تظل
الأولوية للعامل المادي، والثانية أنهم منظمون وكأنهم شركات، بل إن بعض الجهات أو
المؤسسات العاملة ضمن هذا المجال مدرجة في البورصات، والثالثة أنهم يسعون للعمل
داخل دول أجنبية، لا في أوطانهم، والرابعة أنهم يستخدمون القوة في إطار عسكري لا
تحت بند إنفاذ القانون، إذ الهدف الوحيد هو إلحاق الهزيمة بالطرف الآخر عبر
استخدام القوة، والخامسة أنهم يشكلون خطراً داهماً مستمراً بسبب تسليعهم للصراع
المسلح.
اقتصاد المرتزقة
اقتصاد المرتزقة ملف ضخم وحساس ويكتنفه
كثير من الغموض والسرية. هي صناعة مليارية، فيها شركات ومؤسسات بعضها يمكن تتبعه،
وبعضها الآخر متداخل مع شركات أخرى بصورة تضمن السرية، يعمل فيها الآلاف، وأعدادهم
حتى التقريبية يصعب معرفتها أو التكهن بها. حتى مصائر المرتزقة السابقين أو
المتقاعدين، فمعظمها غير معروف.
في تقرير عنوانه "بيزنس المرتزقة
يوشك على تحقيق طفرة جديدة" المنشور في "إيكونوميست" (أكتوبر
2025)، جاء على لسان محلل عمل سابقاً لدى شركة أمنية بريطانية دومينيك دونالد أن
"الصراع يسبب البؤس، لكنه يؤجج الطلب أيضاً. وحين جرى التعاقد مع مؤسسة غزة
الإنسانية لتوزيع المساعدات في غزة مطلع عام 2025، استعانت بشركة "يو جي
سولوشنز" الأميركية للمساعدة في توفير الأمن المسلح. وعندما احتاجت روسيا إلى
رجال لحربها في أوكرانيا ولعملياتها في أفريقيا، لجأت إلى مجموعة فاغنر، وهي منظمة
مدعومة من الكرملين تضم أفراداً سابقين من القوات الخاصة الروسية. والمرتزقة
الكولومبيون من بين الذين يقاتلون في أوكرانيا. وفي الغرب، تعد الحكومة الأميركية
أكبر عميل لشركات الأمن الخاصة".
ويتطرق التقرير إلى معاناة الحكومات في
تجنيد الجنود، وهو ما أدى إلى تعاظم حلول بديلة وغير مكلفة توفرها شركات الأمن
الخاصة عبر أشخاص لا يتطلبون الدرجة نفسها من التدريب العسكري، وكذلك لا تتضمن
عقودهم معاشات تقاعدية وميزات. في الوقت نفسه، تضمن العقود لهؤلاء المقاتلين رواتب
أو مكافآت مادية لا يحلمون بتحقيق ربعها من حيث أتوا.
وتوقع التقرير أن يشهد العالم قفزة أو
توسعاً كبيراً جديداً في "بيزنس المرتزقة" في المستقبل القريب، إذ
المشكلات التي ظهرت في مرحلة "إعادة الإعمار" في العراق مرشحة لمعاودة
الظهور بصورة متفاقمة في أوكرانيا، والتي ستخرج حربها وفرة من الرجال المحنكين في
شؤون القتال وأحدث التقنيات مثل المسيرات.
وعلى رغم أن غالب دول العالم تنظر، في
الأقل رسمياً، بعين ملؤها الوصم والتجريم والتحريم للمرتزقة، فإن تزايد أعداد
الشركات التي تعمل في هذا المجال، وتعدد جنسياتها، وتفاقم أعداد الأفراد الراغبين
في التقدم للحصول على "فرصة عمل كمرتزق" تشير إلى مستقبل ربما يتنافس
فيه "المقاتلون الأجانب" أو المحترفون مع الجيوش الوطنية على الصدارة،
أو في الأقل تضييق الفجوة بينهما، إذ الطلب يزيد والصراعات تتسع رقعتها، وكذلك
العرض.
بيزنس المرتزقة أو اقتصاده ضخم ومحكم.
شركات أمن خاصة، تقدم خدمات استخبارات ولوجيستية وأمن مسلح، لكن بتسميات مختلفة،
لها زبائن، سواء دول أو أفراد أو شركات، وأحياناً جماعات (بعضها إرهابية)، تستعين
بهذه الخدمات في مقابل إما مكافآت مادية أو نسبة من الموارد الطبيعية، مثل النفط
والمعادن. ولها هيكل وظيفي من العسكريين السابقين أو الرجال الأقوياء القابلين
والمستعدين للتدريب السريع وغير المكلف على استخدام القوة العسكرية، وهؤلاء عادة
يقبلون برواتب متدنية، مع وجود استثناءات، ومنهم من يحصل على ميزات مثل حق اللجوء
السياسي بعد تحقيق الهدف المرجو في الصراع أو الجنسية، وغيرها.
تظل الأرقام غائبة عن هذا المجال لكن
المعلومات تبقى مؤكدة، إذ إن القطاع ينمو والإيرادات والأرباح تزيد ورقعة الوجود
تتسع، والدول المتعاقدة كثيرة والمصدرة صامتة، و"القوى العاملة" تزيد
أيضاً، والشرق الأوسط وأفريقيا يظلان على رأس المناطق الأكثر "استضافة"
للمرتزقة.
يشار إلى أن منظمة الأمم المتحدة تذكر
العالم بين وقت وآخر بـ"الاتفاق الدولي لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم
وتمويلهم وتدريبهم" التي جرى اعتمادها عام 1989، ودخلت حيز التنفيذ عام 2001،
ولم يصدق عليها سوى 38 دولة!
ويشير الاتفاق إلى إدراك ما يجري في
مناطق عدة من تجنيد للمرتزقة، واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم للقيام بأنشطة تنتهك
مبادئ القانون الدولي، مطالبة باعتبار ذلك "جرائم موضع قلق بالغ لجميع
الدول"، وأن "أي شخص يرتكب أياً من هذه الجرائم ينبغي إما أن يحاكم أو
يسلم نفسه".
وتحذر المنظمة بين وقت وآخر من عواقب
انتشار المرتزقة والمتعاقدين الذين يعملون جنوداً، ويجري استئجارهم من قبل شركات
الأمن الخاصة في حالات النزاعات، وما بعدها، وهو ما يؤدي إلى زيادة حالات انتهاك
حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.
ما بعد الارتزاق
الأخطار والأضرار الناجمة عن انخراط
المرتزقة والمقاتلين الأجانب في الحروب والصراعات داخل دول أجنبية في كفة، والبحث
عن دور لهم بعد انتهاء الصراع في كفة أخرى. بمعنى آخر، التعامل مع عودة الأفراد
ذوي المهارات القتالية والعسكرية، ومنهم من اكتسب أفكاراً أيديولوجية وعمل في
شبكات وشركات عابرة للحدود، تحد ضخم وبالغ الخطورة والحساسية. الحلول السهلة
والنظرية هي استيعابهم في شركات الأمن الخاصة العاملة في داخل حدود الوطن، التي
تعمل في مجال حماية الأموال والأفراد والبنى التحتية وغيرها. كذلك الاستفادة من
القادرين على أن يكونوا مدربين في المجال اللوجيستي ذي الطابع القتالي أو العسكري،
وقطاع الأمن البحري لتأمين السفن التجارية، لا سيما في المنطقة التي توجد فيها
أخطار بحرية مثل القراصنة أو الحروب البحرية.
ومنهم بالطبع، من يبحث عن عقد عمل جديد
في منطقة صراع أخرى، أو يسهل انخراطهم في عصابات أو جماعات مسلحة خارجة على
القانون، سواء في الدول التي قدموا منها، أو في دول أجنبية.
وبينما ينظر إلى مشكلات مثل اعتياد
بعضهم الضخ المستمر للأدرينالين في أجسادهم، وهو ما يجعل العودة للحياة المدنية
أمراً صعباً، أو تعرض كثر لأزمات نفسية وعصبية جراء ما عايشوه من مآسٍ وربما ما
اقترفوه من جرائم، باعتبارها أموراً ثانوية أو هامشية، فإنها في الواقع ليست كذلك،
فقط مسكوت عليها ومتفق على تهميشها، وذلك في ما يشبه اتفاق جنتلمان دولي غير
مكتوب.
هذا النوع من الاتفاقات شائع في عالم
المرتزقة. جانب غير قليل من الدول المنددة بهم، وبالجهات المستعينة بهم، وبالدول
المتجاهلة نشاطهم، هم أنفسهم ساكتون عن شركات أمن خاصة غير منزهة عن النشاط
القتالي العسكري، ومتجاهلون الاستعانة بهم في مناطق نزاع ذات أهمية اقتصادية أو
جيوسياسية أو كليهما.
مرتزقة روس في مالي، وكولومبيون في
السودان، وروس في أوكرانيا، وأوكرانيون في روسيا، والقائمة طويلة. دول مصدرة
للمرتزقة، وأخرى مستقبلة لهم، وثالثة تنسق حركة العبور والانتقال، ورابعة لها باع
في تأسيس الشركات، وخامسة تتفنن في أدوات التمويه والسرية، أو تبدع في التجاهل
والإنكار، والبيزنس ينتعش تارة بفعل ضغط المصالح ودواعي السياسة وضرورات الصراعات،
ويخفت تارة أخرى بتصالح المصالح وتغير توازنات السياسة وخفوت الصراعات.
جديد عالم المرتزقة هو الارتزاق في
الفضاء الافتراضي، وهو ما يشير إليه شون مكفيت بـ"شركات الرد على الهجمات
الإلكترونية أو الرقمية". يقول إنها شركات متخصصة في مهاجمة المخترقين للفضاء
الرقمي، سواء لحماية شبكات وطنية أو العملاء. وعلى رغم أن شركات المرتزقة
الافتراضية لا تتمكن من إصلاح آثار الهجوم، فإن الاستعانة بها لا تكون لهذا الغرض،
بل بهدف الردع. يسمونها "الدفاع النشط" عبر استخدام شركات خارجية أو
أجنبية. وعلى رغم أنها غير قانونية، شأنها شأن المرتزقة من البشر، فإن عملها ذائع
الصيت ويتمدد، لكن دون الإعلان والإشهار.
والطريف أن أصل كلمة
"مرتزقة" بالعربية هو "رزق"، وهي كلمة ذات وقع بالغ الإيجابية
يشي بالفضل والعطاء، إلا أن تصريفها تحول بمرور الزمن إلى وصمة سلبية
"مرتزق". اندبيدنت عربية.