الكويت – سدن
لم يكن المشهد في مطار الكويت الدولي مجرد حادث أمني أو نتيجة جانبية لمواجهة عسكرية بعيدة، فالصواريخ والطائرات المسيرة التي سقطت على منشآت مدنية وحيوية، وأوقعت قتلى وجرحى وأربكت حركة الطيران، طرحت سؤالاً أكبر من حجم الأضرار نفسها: إذا كانت الحرب بين واشنطن وطهران، فلماذا انتهت إحدى أخطر الضربات الإيرانية في مطار مدني داخل دولة خليجية تؤكد باستمرار أنها ليست طرفاً في الصراع؟
هذا السؤال لم يعد مطروحاً في الكويت وحدها، بل بات يتردد في مختلف العواصم الخليجية، بعدما بدا أن خطوط الاشتباك التقليدية بين الولايات المتحدة وإيران بدأت تتمدد لتطال دولاً تحاول البقاء خارج دائرة المواجهة المباشرة.
الرواية الإيرانية.. والواقع على الأرض
جاء الهجوم بعد ساعات من تصعيد أميركي استهدف ناقلة نفط حاولت كسر الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، إضافة إلى مواقع مرتبطة بالحرس الثوري في مضيق هرمز.
وكما جرت العادة في جولات التصعيد السابقة، أعلنت طهران أن ردها استهدف مواقع مرتبطة بالوجود العسكري الأميركي في المنطقة، لكن الوقائع الميدانية رسمت صورة مختلفة تماماً.
فالسلطات الكويتية أعلنت أن الهجمات طالت منشآت مدنية وحيوية، وفي مقدمتها مطار الكويت الدولي، فيما أكدت وزارة الصحة سقوط قتيل وإصابة 63 شخصاً، واضطرت السلطات إلى تعليق حركة الملاحة الجوية مؤقتاً قبل استئنافها جزئياً.
وبينما تحدثت إيران عن أهداف عسكرية، كان المدنيون والمنشآت المدنية هم من دفعوا الثمن على الأرض.
السؤال الكويتي: لماذا نحن؟
داخل الكويت، لا يتركز الجدل على عدد الصواريخ أو حجم الخسائر بقدر ما يتركز على سؤال سياسي وسيادي أكثر عمقاً: لماذا أصبحت الكويت هدفاً؟
يرى الباحث والأكاديمي الكويتي الدكتور عايد المناع أن التبريرات الإيرانية تبدو عاجزة عن تفسير ما حدث، مشيراً إلى أن القوات الأميركية التي تقول طهران إنها تواجهها، موجودة في البحر وتشارك في عمليات الحصار والانتشار العسكري المباشر، وبالتالي، فإن استهداف مطار مدني ومنشآت كويتية لا يقدم إجابة مقنعة عن طبيعة الأهداف الحقيقية للهجوم، بل يفتح الباب أمام تساؤلات أكبر حول الرسائل التي أرادت إيران إيصالها، والجهة التي أرادت معاقبتها فعلياً.
ويشير المناع إلى أن الكويت تبنت طوال فترة الحرب سياسة تقوم على النأي بالنفس وتجنب الانخراط في المواجهة، كما حرصت على حماية أمنها الداخلي وتفادي أي خطوات يمكن أن تفسر على أنها اصطفاف مباشر مع أحد أطراف النزاع.
السيادة أولاً
من زاوية أخرى، لا ينظر كثير من الكويتيين إلى ما جرى باعتباره حادثاً عسكرياً مرتبطاً بالحرب الدائرة فحسب، بل باعتباره مساساً مباشراً بسيادة الدولة.
وتؤكد رئيسة المركز الدولي للتنمية والدراسات الاستراتيجية الدكتورة بيبي عاشور أن استهداف مطار مدني في ذروة حركة السفر يحمل دلالات تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، خصوصاً عندما تقع الإصابات بين المدنيين ويتضرر أحد أهم المرافق الحيوية في البلاد.
وتلفت إلى أن القيادة الكويتية شددت مراراً على رفض استخدام أراضي البلاد أو أجوائها أو مياهها الإقليمية كمنصة لأي عمل عسكري أو طرف في أي مواجهة إقليمية، الأمر الذي يجعل استهدافها أكثر إثارة للتساؤلات.
رسالة إلى الخليج كله
لم يقتصر أثر الضربة على الكويت وحدها.. فالإمارات سارعت إلى إدانة الهجوم، ووصفت ما جرى بأنه انتهاك للسيادة الكويتية وخرق للقانون الدولي، فيما دعا المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش إلى موقف خليجي موحد وصلب، مؤكداً أن استهداف الكويت أو البحرين لا يتعلق بدولتين بعينهما، بل بأمن الخليج بأكمله.
وفي هذا السياق، تبدو الضربات الأخيرة جزءاً من تحول أوسع في طبيعة الصراع، حيث لم تعد الرسائل العسكرية تقتصر على الأطراف المتحاربة بشكل مباشر، بل بدأت تطاول البيئة الإقليمية المحيطة بها.
من الأمن إلى الدبلوماسية
ولعل أخطر ما كشفته الأزمة هو انتقالها سريعاً من بعدها العسكري إلى بعدها السياسي والدبلوماسي.
فالكويت أعلنت إمهال عضوين من البعثة الدبلوماسية الإيرانية 24 ساعة لمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مستوى الغضب الرسمي من الهجوم، وتؤشر إلى أن تداعياته لن تبقى محصورة في الجانب الأمني.
كما أن الضربات الأخيرة جاءت في وقت تتعثر فيه قنوات التفاوض غير المباشر بين واشنطن وطهران، الأمر الذي يزيد من احتمالات التصعيد ويجعل دول الخليج أكثر عرضة لأن تجد نفسها في قلب المواجهة، حتى لو لم تكن طرفاً فيها.