في قراءة قد تكون الأكثر صراحة منذ بدء الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة، وجه مركز أميركي قريب من أوساط صنع القرار في واشنطن رسالة قاسية إلى المتحمسين لفكرة (نزع السلاح)، مفادها أن المشكلة في العراق ليست صواريخ ومقرات عسكرية فقط، بل نظام سياسي كامل تشكل حول الفصائل المسلحة خلال أكثر من عقدين.
ووفق تقرير صادر عن مركز Stimson Center، فإن واشنطن تنظر إلى تقليص نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران باعتباره أحد أهم أهدافها في العراق، إلا أن تنفيذ هذا الهدف يصطدم بحقيقة معقدة: الفصائل لم تعد مجرد جماعات مسلحة، بل تحولت إلى قوى سياسية واقتصادية تسيطر على جزء كبير من الدولة نفسها.
ربع البرلمان بيد الفصائل
ويشير التقرير إلى أن الأجنحة السياسية المرتبطة بالفصائل المسلحة تمتلك ما يقرب من ربع مقاعد البرلمان العراقي، فضلاً عن نفوذ واسع داخل الوزارات والمؤسسات الحكومية وشبكات اقتصادية ضخمة.
وبحسب المركز، فإن إخراج هذه القوى من المشهد لا يشبه تفكيك جماعة مسلحة خارجة عن القانون، بل يعني عملياً إعادة هندسة النظام السياسي الذي تأسس في العراق بعد عام 2003.
الحرب مع إيران كشفت المستور
ويرى التقرير أن المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران كشفت حجم المعضلة العراقية بصورة غير مسبوقة.
فالعراق كان الساحة الوحيدة التي تحولت إلى ميدان عمليات لجميع الأطراف في وقت واحد؛ الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران والفصائل الحليفة لها.
كما أن بعض الفصائل العراقية لم تكتفِ بالعمل داخل العراق، بل شاركت في استهداف أهداف داخل دول الخليج، ما جعل بغداد تبدو في نظر واشنطن جزءاً من المشكلة الإقليمية لا مجرد طرف متضرر منها.
داخل الفصائل.. معسكران لا ثالث لهما
ويكشف التقرير عن انقسام متزايد داخل الفصائل نفسها.
فمعسكر أول بات مقتنعاً بأن زمن البندقية يقترب من نهايته، وأن الحفاظ على النفوذ السياسي والاقتصادي أهم من الاحتفاظ بالصواريخ والمسيّرات.
أما المعسكر الثاني، فيرى أن مشروع “المقاومة” لم ينتهِ بعد، ويرفض أي حديث عن التخلي عن السلاح أو الاندماج الكامل في الدولة.
وبحسب التقرير، فإن بعض الفصائل المتشددة سخرت علناً من الجماعات التي أبدت استعداداً للتسوية، بل عرضت شراء أسلحتها الثقيلة والتكفل بعائلات قتلاها في رسالة تهكمية تهدف إلى إحراجها أمام جمهورها.
واشنطن تريد أكثر من تسليم الصواريخ
ويحذر المركز الأميركي من أن الاكتفاء بسحب الصواريخ والطائرات المسيرة من الفصائل لن يحقق الهدف الذي تسعى إليه واشنطن.
فحتى لو تخلت تلك الجماعات عن بعض أسلحتها الثقيلة، فإنها ستحتفظ بقواتها البشرية ونفوذها السياسي ومصادر تمويلها الحكومية، ما يعني أن جوهر المشكلة سيبقى قائماً.
وفي المقابل، فإن خيار حل الحشد الشعبي بالكامل أو تفكيك الفصائل جذرياً يبدو، بحسب التقرير، أقرب إلى الخيال السياسي منه إلى الواقع، لأن القوى السياسية المهيمنة لن تتخلى طوعاً عن أحد أهم مصادر قوتها.
لماذا تصمت إيران؟
ويطرح التقرير سؤالاً محورياً: لماذا لا تبدو طهران منزعجة علناً من النقاش الدائر حول الفصائل؟
الجواب، بحسب الباحثين، أن ما يجري حتى الآن يتعلق بإعادة تنظيم دور الفصائل داخل العراق، وليس إنهاء دورها الإقليمي أو قطع صلاتها الاستراتيجية بإيران.
ولهذا تبدو طهران مستعدة لمراقبة المشهد من بعيد، ما دام لا يمس جوهر نفوذها في المنطقة.
المشكلة ليست في السلاح.. بل في الدولة
ولعل أخطر ما في التقرير أنه يهدم الفكرة الشائعة بأن الأزمة يمكن حلها عبر جمع السلاح أو إغلاق بعض المقرات.
فبحسب القراءة الأميركية، فإن السلاح ليس سوى الجزء الظاهر من الجبل الجليدي، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في شبكة النفوذ السياسي والاقتصادي التي تشكلت حول الفصائل خلال عشرين عاماً.
وبمعنى أكثر وضوحاً: حتى لو اختفت بعض الرايات وأغلقت بعض المقرات، فإن النفوذ سيبقى قائماً ما لم يعاد بناء العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة من جذورها.
ولهذا يخلص التقرير إلى نتيجة صادمة: المعركة الحقيقية في العراق ليست معركة نزع السلاح، بل معركة إعادة تعريف الدولة نفسها.