دمشق - سدن
يبدو أن المشروع الذي حاول الشيخ حكمت الهجري تسويقه باعتباره بديلاً عن الدولة في السويداء بدأ يأكل نفسه من الداخل.
ففي تطور خطير هز المحافظة خلال الساعات الماضية، تمكن عدد من المحتجزين داخل سجون (الحرس الوطني) التابع للهجري من الفرار نحو محافظة درعا، في حادثة كشفت حجم الفوضى والتفكك الذي يضرب المنظومة الأمنية التابعة له، وأعادت إلى الواجهة أسئلة صعبة حول مستقبل السويداء التي تغرق يوماً بعد آخر في صراعات الفصائل ومراكز النفوذ.
هروب من السجن أم عملية تهريب؟
وبحسب مصادر محلية، فإن المحتجزين الذين كانوا معتقلين على خلفية أحداث سابقة في المحافظة تمكنوا من مغادرة السجن المركزي التابع لـ(الحرس الوطني) في مدينة السويداء والوصول إلى درعا، لكن الرواية التي يتداولها أبناء المحافظة أكثر خطورة من مجرد عملية هروب.
فالمصادر تتحدث عن وجود متواطئين من داخل (الحرس الوطني) أنفسهم سهلوا عملية إخراج السجناء، ما يعني أن الاختراق وصل إلى قلب الجهاز الأمني الذي أنشأه الهجري بنفسه.
غضب في الشارع واقتحام للمقرات
الحادثة أشعلت غضباً واسعاً داخل السويداء، وسرعان ما تحولت إلى أزمة أمنية بعدما هاجم محتجون وعناصر مسلحة مقرات تابعة لـ(الحرس الوطني)، وسط اتهامات متبادلة وتحميل المسؤولية لقيادات الجهاز.
وشهدت المحافظة حالة استنفار غير مسبوقة، فيما تحدثت مصادر محلية عن تصدع كبير داخل البنية التنظيمية للفصيل المسلح الأكبر التابع للهجري.
أول الرؤوس تسقط
ولاحتواء الغضب، جرى تحميل قائد الحرس الوطني المدعو جهاد الغوطاني المسؤولية المباشرة عما حدث.
وبحسب المعلومات، تم اعتقاله وإقالته من منصبه، في محاولة لامتصاص النقمة المتصاعدة داخل أوساط الهجري في السويداء.
لكن كثيرين يرون أن المشكلة أعمق بكثير من تغيير شخص أو إقالة قائد، لأن الأزمة باتت تضرب البنية نفسها التي قامت عليها سلطة الهجري خلال السنوات الأخيرة.
حرب خلافة داخل معسكر الهجري
ومع سقوط الغوطاني، بدأ الصراع على المنصب الشاغر، فالهجري يدفع باتجاه تعيين عصام بو سعيد قائداً جديداً للحرس الوطني، بينما تتمسك فصائل وشخصيات نافذة أخرى بمرشحين مختلفين.
وبحسب مصادر محلية، فإن الخلاف لم يعد يدور حول شخص القائد الجديد، بل حول النفوذ والمال والسلطة داخل دائرة الهجري نفسها.
وتصف المصادر المشهد بأنه أقرب إلى صراع بين ميليشيات متنافسة منه إلى مؤسسة أمنية منظمة.
من (الحرس الوطني) إلى (مجلس عسكري)
وفي محاولة جديدة لإعادة تدوير الأزمة، يجري الحديث داخل أوساط الهجري عن حل الحرس الوطني واستبداله بمجلس عسكري جديد.
لكن منتقدين يرون أن الأمر لا يعدو كونه تغييراً في الاسم واللافتة، فيما تبقى العقلية ذاتها والوجوه ذاتها وآليات العمل ذاتها.
ويشير هؤلاء إلى أن الهجري سبق أن لجأ إلى الأسلوب نفسه عندما اضطر إلى حل هيئات تابعة له بعد تفشي اتهامات الفساد، قبل أن يعيد إنتاجها تحت مسميات مختلفة.
السويداء بين الدولة والفصائل
ويؤكد مراقبون أن ما يجري اليوم في السويداء يمثل نتيجة طبيعية لتحويل المحافظة إلى ساحة تحكمها الفصائل بدلاً من مؤسسات الدولة.
فحين تستبدل مؤسسات الأمن والقضاء والإدارة العامة بمجموعات مسلحة متنافسة، يصبح الصراع على النفوذ أمراً حتمياً، وتتحول الخلافات الداخلية إلى أزمات أمنية مفتوحة.
الهجري يقود السويداء إلى المجهول
ويرى المراقبون ما يحدث اليوم لم يعد مجرد حادث أمني عابر أو خلاف داخلي محدود، بل إنه مؤشر واضح على فشل نموذج الحكم الفصائلي الذي أصر الهجري على فرضه على السويداء تحت شعارات مختلفة.
فبعد الفوضى الاجتماعية، جاءت الفوضى الأمنية، واليوم تلوح في الأفق بوادر فوضى سياسية كاملة.
وفي الوقت الذي تحاول فيه الدولة السورية إعادة بناء مؤسساتها واستعادة الاستقرار، تبدو السويداء عالقة داخل دوامة صراعات شخصية وفصائلية لا تنتج سوى المزيد من الانقسام والضعف.
والسؤال الذي يطرحه كثير من أبناء المحافظة اليوم: إلى أين يقود حكمت الهجري السويداء؟