دمشق - سدن
منذ أن طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب علناً فكرة دور سوري محتمل في ملف (حزب الله)، انشغل كثيرون بالسؤال التقليدي: هل سترسل دمشق قواتها إلى لبنان؟
لكن السؤال الأهم ربما هو: ماذا لو وجدت الدولة السورية أن أمنها القومي نفسه أصبح مرتبطاً بما يجري خلف الحدود اللبنانية؟
فالنقاش هنا لا يتعلق برغبة سوريا في خوض حرب جديدة، ولا ببحث الرئيس أحمد الشرع عن معارك خارجية، بل بطبيعة التحديات التي قد تواجهها أي دولة تعيد بناء نفسها بعد سنوات طويلة من الحرب والانهيار.
سوريا الجديدة ليست سوريا السابقة
خلال العقود الماضية، كان الوجود السوري في لبنان جزءاً من معادلات سياسية وأمنية إقليمية معقدة، أما اليوم، فإن سوريا التي يقودها الرئيس أحمد الشرع تحاول تقديم نموذج مختلف تماماً، يقوم على مفهوم الدولة الوطنية وحماية السيادة وضبط الحدود ومنع استخدام الأراضي السورية ممراً أو منصة لصراعات الآخرين.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو دمشق متحمسة لأي تدخل عسكري خارج حدودها، خصوصاً أن أولوياتها الحالية تتركز في إعادة الإعمار، وبناء المؤسسات، وتحسين الاقتصاد، واستكمال توحيد المؤسسة العسكرية.
لكن الدول لا تتحرك دائماً وفق ما تريده، بل أحياناً وفق ما تفرضه الوقائع على الأرض.
متى يصبح الملف اللبناني ملفاً سورياً؟
إذا بقيت الحدود مستقرة، واستمر التنسيق الأمني بين دمشق وبيروت، فإن مصلحة سوريا الواضحة ستكون الابتعاد عن أي مواجهة.
أما إذا تحولت المناطق الحدودية إلى مصدر تهديد مباشر للأمن السوري، أو إلى ممر لتهريب السلاح والمسلحين، أو إلى قواعد تستخدمها جهات مسلحة لاستهداف الداخل السوري، فإن طبيعة الحسابات قد تتغير.
فهنا لن يكون الأمر متعلقاً بلبنان أو بـ(حزب الله) بحد ذاته، بل بحق الدولة السورية في حماية أمنها القومي ومنع تشكل مصادر تهديد دائمة على حدودها، وهذا حق تمارسه جميع الدول دون استثناء.
الشرع بين الواقعية والمغامرة
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن الرئيس أحمد الشرع يرغب في فتح جبهة جديدة أو التورط في صراع لبناني معقد.
بل على العكس، تشير الوقائع إلى أن دمشق تعمل على تعزيز التعاون مع المؤسسات الرسمية اللبنانية، وتطوير قنوات التنسيق الأمني، ومعالجة الملفات العالقة عبر الحوار والتفاهم، لكن السياسة لا تبنى على النوايا وحدها.
فالقيادة السورية مسؤولة أولاً عن حماية الدولة السورية، وإذا وصلت إلى قناعة بأن تهديداً ما يتشكل على حدودها، أو أن استقرارها الداخلي بات معرضاً للخطر، فإن من واجبها اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة لحماية البلاد.
وفي هذه الحالة، لن يكون النقاش حول التدخل أو عدم التدخل، بل حول ما إذا كانت التقديرات السورية للأخطار صحيحة أم لا.
معادلة دمشق الجديدة
المشكلة أن كثيرين ينظرون إلى أي دور سوري محتمل من زاوية الصراع مع (حزب الله)، بينما قد تنظر دمشق إليه من زاوية مختلفة تماماً.
فبالنسبة للدولة السورية الجديدة، الأولوية ليست تصفية الحسابات مع أحد، ولا خوض حروب بالوكالة عن أي طرف، بل منع عودة الفوضى إلى الداخل السوري.
ولهذا فإن معيار القرار السوري لن يكون إرضاء واشنطن أو معاداة طهران أو الدخول في نزاعات لبنانية داخلية، بل سؤال أكثر بساطة: هل يخدم هذا القرار أمن سوريا واستقرارها أم يضر بهما؟
حتى الآن، تبدو دمشق أقرب إلى خيار التعاون الأمني وضبط الحدود منها إلى خيار التدخل العسكري المباشر.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن مطالبة أي دولة بالتزام الحياد إذا شعرت أن أمنها القومي مهدد أو أن الأخطار تتسلل إلى أراضيها من خلف الحدود.
ولهذا فإن النقاش الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت سوريا يجب أن (تتدخل) أو يجب أن (تمتنع)، بل بما إذا كانت حساباتها الأمنية تستند إلى معطيات حقيقية تبرر أي خطوة قد تتخذها.
ففي النهاية، تبقى مسؤولية الرئيس أحمد الشرع وحكومته الأولى هي حماية سوريا، وأي قرار يتخذ يجب أن يقرأ من هذه الزاوية قبل أي زاوية أخرى.