مركز أبحاث الكونغرس يرسم صورة معقدة للعراق في عهد الزيدي: بين ضغوط واشنطن ونفوذ طهران وتحديات فرض سيادة الدولة
واشنطن – سدن
رسم تقرير جديد صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي صورة شديدة التعقيد للمشهد العراقي، معتبراً أن حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي تقف أمام أحد أصعب الاختبارات السياسية والأمنية منذ سنوات، في ظل تصاعد التوتر الإقليمي، واستمرار نفوذ الفصائل المسلحة، ومحاولات الحفاظ على التوازن بين الولايات المتحدة وإيران.
ويرى التقرير أن العراق دخل مرحلة جديدة تتجاوز الحرب على تنظيم داعش، لتتمحور حول سؤال أكثر حساسية يتعلق بقدرة الدولة على فرض احتكار السلاح، وضبط الجماعات المسلحة، والحفاظ في الوقت نفسه على علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة.
وبحسب التقرير، فإن واشنطن لا تنظر إلى العراق اليوم بوصفه مجرد شريك أمني في مكافحة الإرهاب، بل باعتباره ساحة مركزية في معادلة الصراع والنفوذ في الشرق الأوسط، وهو ما يجعل أداء الحكومة العراقية تحت مراقبة دقيقة من الإدارة الأميركية والكونغرس على حد سواء.
119 مليون دولار.. ولكن بشروط
ورغم أن مشروع الموازنة الأميركية للسنة المالية 2027 يتضمن نحو 119 مليون دولار لدعم القوات المسلحة العراقية وجهاز مكافحة الإرهاب، فإن التقرير يشير إلى أن جزءاً متزايداً من المؤسسة التشريعية الأميركية يدفع باتجاه ربط هذه المساعدات بمعايير سياسية وأمنية محددة.
وتشمل هذه المعايير مدى نجاح الحكومة العراقية في الحد من قدرات الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، وتعزيز الرقابة داخل المؤسسات الأمنية، ومكافحة الفساد الإداري والمالي.
كما يتضمن المشروع تخصيص 900 ألف دولار لاستمرار برامج التعليم والتدريب العسكري، في وقت لم تتقدم فيه الإدارة الأميركية بطلبات تمويل عسكري أوسع للعراق كما كان يحدث في السنوات السابقة.
العراق بعد الانسحاب الأميركي
ويشير التقرير إلى أن الانسحاب التدريجي للقوات الأميركية من أجزاء واسعة من العراق، وإعادة تمركزها بصورة رئيسية داخل إقليم كوردستان، لم ينهِ الشراكة الأمنية بين بغداد وواشنطن.
فالتعاون لا يزال مستمراً في مجالات مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الاستخبارية والتدريب العسكري، إضافة إلى إدارة ملفات أمنية حساسة، من بينها ملف آلاف المعتقلين من تنظيم داعش الذين نُقل عدد كبير منهم من سوريا إلى العراق خلال العام الجاري.
وتؤكد الرؤية الأميركية، بحسب التقرير، أن العلاقة الأمنية المستقبلية مع بغداد ستعتمد على التدريب المتخصص والدعم الاستخباري والوجود العسكري المحدود عند الضرورة، من دون العودة إلى نموذج القواعد العسكرية الأميركية الدائمة داخل العراق.
معضلة الزيدي
ويضع التقرير رئيس الوزراء علي الزيدي أمام معادلة معقدة، إذ يواجه مطالب أميركية متزايدة باتخاذ خطوات أكثر حزماً تجاه الجماعات المسلحة، في وقت تستند حكومته إلى تحالف سياسي يضم قوى ترتبط بعلاقات وثيقة مع هيئة الحشد الشعبي وبعض الفصائل المسلحة.
ويرى معدو التقرير أن التحدي الأكبر أمام الزيدي لا يتمثل فقط في فرض سلطة الدولة، بل في كيفية القيام بذلك من دون التسبب بأزمات سياسية داخلية أو هزات في التوازنات القائمة داخل النظام السياسي العراقي.
ويضيف التقرير أن الحكومات العراقية المتعاقبة واجهت الإشكالية ذاتها، لكن التطورات الإقليمية الأخيرة جعلت هذا الملف أكثر إلحاحاً بالنسبة لواشنطن من أي وقت مضى.
الحرب الإقليمية تعيد خلط الأوراق
ووفقاً للتقرير، فإن الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى خلال عام 2026 أعادت العراق إلى قلب الصراع الإقليمي.
فمنذ اندلاع المواجهة، تصاعدت الهجمات التي استهدفت القوات الأميركية ومصالحها، كما تعرضت أهداف داخل إقليم كوردستان ومناطق أخرى لهجمات متكررة، الأمر الذي دفع واشنطن إلى زيادة ضغوطها على بغداد لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه الجماعات المسلحة.
وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى أن الأوساط السياسية والأمنية العراقية بدأت تناقش خيارات متعددة تتعلق بمستقبل هيئة الحشد الشعبي وآليات تنظيم علاقتها بالدولة، فضلاً عن معالجة الملفات المرتبطة بالفصائل المسلحة التي تعمل خارج الأطر الرسمية.
الكونغرس يراقب
ويخلص التقرير إلى أن الكونغرس الأميركي يتجه إلى لعب دور أكبر في رسم ملامح العلاقة الأمنية مع العراق خلال السنوات المقبلة.
فمشروع قانون الدفاع الأميركي الجديد يتضمن نصوصاً تربط استمرار جزء كبير من المساعدات العسكرية الأميركية للعراق بتقديم الإدارة الأميركية تأكيدات بأن الحكومة العراقية حققت تقدماً ملموساً في تقليص نفوذ الجماعات المسلحة الموالية لإيران، وتعزيز الرقابة على المؤسسات الأمنية، وتحسين معايير الشفافية ومكافحة الفساد.
ويعد مركز أبحاث الكونغرس الأميركي (CRS) أحد أهم المؤسسات البحثية التابعة مباشرة للكونغرس الأميركي، وقد تأسس عام 1914 لتقديم الدراسات والتقييمات غير الحزبية لأعضاء مجلسي الشيوخ والنواب.
ويتمتع المركز بسمعة واسعة داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، إذ يعتمد عليه المشرعون الأميركيون في فهم القضايا الدولية والأمنية والاقتصادية قبل مناقشة القوانين والميزانيات والسياسات الخارجية.
ورغم أن تقاريره لا تمثل مواقف رسمية للحكومة الأميركية، فإنها غالباً ما تعكس طبيعة النقاشات والاتجاهات السائدة داخل المؤسسة التشريعية الأميركية، ما يجعلها مؤشراً مهماً على كيفية نظر واشنطن إلى الملفات الدولية، وفي مقدمتها الملف العراقي.