كتب: المحرر السياسي
أثار قرار الخبير الاقتصادي العراقي المعروف نبيل المرسومي بالانسحاب من الساحة الإعلامية والتوقف عن نشر التحليلات والبيانات الاقتصادية موجة واسعة من التساؤلات بشأن حدود حرية التعبير في العراق، ودور الدولة في حماية الخبراء والأكاديميين عندما يدخلون في سجال مع مؤسسات نافذة.
ففي خطوة بدت للكثيرين أشبه بإعلان اعتزال قسري، أعلن المرسومي التزام (الصمت) ووضع قلمه جانباً، بعد أزمة تفجرت مع مجلس النواب على خلفية الأرقام التي نشرها بشأن أعداد الموظفين وحجم الرواتب والإنفاق داخل المؤسسة التشريعية.
وقال المرسومي في منشور مطول إن "الأرقام تقول الحقيقة دائماً"، إلا أن إثباتها أصبح يتطلب جهداً يفوق طاقة الباحثين، مضيفاً أن مشكلته مع البرلمان لم تنتهِ بعد، وقد تتكرر مستقبلاً مع أي جهة أخرى ما دامت السلطات تمتلك قوة الردع، وما دامت الحدود معدومة بين الحقائق والإساءات.
وتابع قائلاً: "سأضع قلمي جانباً حتى يجف حبره، وأترك الإعلام وأنزوي بعيداً بعد أن أضنانا التعب والإرهاق والإساءات".
هل تعرض المرسومي لضغوط أو تهديد غير مباشر؟
ورغم أن المرسومي لم يتحدث صراحة عن تعرضه لتهديد مباشر، إلا أن حديثه عن "قوة الردع" وغياب الحدود بين النقد والإساءة فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة الضغوط التي دفعت أحد أبرز الأصوات الاقتصادية العراقية إلى إعلان الانسحاب من النقاش العام.
ويرى متابعون أن القضية تجاوزت مجرد خلاف حول أرقام وإحصاءات، لتتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الخبراء والأكاديميين على ممارسة دورهم الرقابي والمعرفي دون خشية من الملاحقات أو حملات التشهير أو الضغوط السياسية.
البرلمان يرد.. والمرسومي ينشر الوثائق
وكان مجلس النواب قد أصدر بياناً اتهم فيه المرسومي بنشر معلومات "غير دقيقة" بشأن عدد الموظفين ورواتبهم، نافياً أن يكون عدد العاملين فيه 12,500 موظف، ومؤكداً أن العدد الفعلي أقل بكثير، وأن الرواتب تصرف وفق القوانين النافذة.
لكن المرسومي رد سريعاً بنشر بيانات تفصيلية استند فيها إلى أرقام الموازنة والحسابات الختامية المنشورة رسمياً، مبيناً أن إجمالي تعويضات العاملين في مجلس النواب والهيئات المرتبطة به بلغ أكثر من 551 مليار دينار خلال عام 2025، وأن مجموع العاملين في مجلس النواب والهيئات المرتبطة به يصل إلى 12,480 موظفاً.
وأكد أن هذه البيانات منشورة على الموقع الرسمي لوزارة المالية، وأن متوسط الراتب الشهري يبلغ نحو 3.6 ملايين دينار.
أين الادعاء العام؟
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة سؤالاً حساساً يتعلق بدور الادعاء العام في العراق، فبدلاً من أن تتحول الأرقام المتداولة إلى مادة للتدقيق والتحقق والكشف عن الحقائق أمام الرأي العام، انتهى الجدل بإعلان أحد أبرز الباحثين الاقتصاديين انسحابه من المشهد!
ويتساءل مراقبون: إذا كانت الأرقام التي نشرها المرسومي خاطئة، فلماذا لا تحسم المسألة عبر لجان تدقيق مستقلة وشفافة؟ وإذا كانت صحيحة أو قريبة من الواقع، فأين دور الجهات الرقابية في مراجعة هذه المؤشرات المالية الضخمة؟
ما هو دور الحكومة؟
كما تطرح الحادثة تساؤلات أوسع بشأن مسؤولية الحكومة في توفير بيئة آمنة للخبراء والباحثين والأكاديميين، بما يسمح لهم بمناقشة الشأن العام وكشف مواطن الخلل والهدر دون خوف من الملاحقات أو الضغوط.
ويؤكد مراقبون أن الدول الحديثة لا تقاس فقط بحجم إنفاقها وموازناتها، بل أيضاً بقدرتها على حماية الأصوات المتخصصة التي تراقب الأداء العام وتدقق في الأرقام والسياسات، لأن إسكات الخبراء لا يلغي الحقائق، بل يوسع مساحة الشك ويضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات.
صمت خبير أم جرس إنذار؟
وبغض النظر عن الجدل الدائر حول صحة الأرقام من عدمها، فإن انسحاب اسم أكاديمي واقتصادي بحجم نبيل المرسومي من النقاش العام يبعث برسالة مقلقة حول مستقبل حرية البحث والتحليل في العراق، ويثير سؤالاً أكبر من الخلاف نفسه: هل أصبح ثمن نشر الأرقام والوثائق أعلى من قدرة الباحثين على تحمله؟ أم أن ما جرى مجرد حلقة جديدة في الصراع المزمن بين السلطة والرقابة المجتمعية؟