واشنطن - سدن
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة تجمع بين ضغوط التفاوض واستمرار التصعيد الميداني، بعدما منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طهران مهلة قصيرة لإنجاح المسار الدبلوماسي، ملوحاً بالعودة إلى الخيار العسكري إذا لم تحقق الاتصالات الجارية تقدماً سريعاً، في وقت واصلت فيه الميليشيات المدعومة من إيران تنفيذ هجمات ضد دول المنطقة، بينما استمر الحرس الثوري في التضييق على الملاحة الدولية في مضيق هرمز.
وقال ترامب إن المفاوضات مع إيران وصلت إلى مرحلة "معمقة للغاية"، لكنه شدد على أنه لن يمنحها وقتاً طويلاً، مؤكداً أن البديل سيكون استئناف "عمل عسكري قوي" ضد طهران إذا فشلت الجهود السياسية.
وأوضح الرئيس الأمريكي أنه وافق على وقف الضربات العسكرية استجابة لطلبات الوسطاء لإعطاء الدبلوماسية فرصة، مؤكداً أن واشنطن لا ترى مبرراً لإطالة أمد التفاوض إذا لم يحقق نتائج ملموسة.
وأضاف أن إيران تسعى إلى اتفاق، مشيراً إلى أن الأموال الإيرانية المجمدة يمكن استخدامها مستقبلاً لتعويض الأضرار التي لحقت بالسفن التجارية جراء الهجمات الإيرانية، كما حذر من أن الولايات المتحدة لن تتردد في التدخل مجدداً إذا عادت هجمات الحوثيين لتهديد الملاحة الدولية.
وفي ملف آخر، كشف ترامب أنه سيبحث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين معلومات تتعلق باحتمال مساهمة أقمار صناعية روسية في دعم العمليات العسكرية الإيرانية، مؤكداً أن واشنطن تعمل على التحقق من طبيعة أي دعم خارجي تتلقاه طهران.
وفي المقابل، نفت الخارجية الإيرانية وجود مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، معتبرة أن ما يجري يقتصر على تبادل رسائل عبر وسطاء، ووصفت التقارير التي تحدثت عن طلب إيراني للتفاوض بأنها "غير صحيحة".
هرمز.. ورقة الضغط الإيرانية
ميدانياً، واصل الحرس الثوري الإيراني فرض قيود على حركة الملاحة في مضيق هرمز، بعدما أعلن اعتراض عدد من السفن وإجبارها على تغيير مسارها، في استمرار لمحاولات طهران فرض قواعد مرور خاصة بها على أحد أهم الممرات النفطية في العالم.
وترى واشنطن أن حرية الملاحة تمثل شرطاً أساسياً لأي تفاهم مستقبلي، رافضة إخضاع السفن الدولية لتصاريح أو رسوم تفرضها إيران، فيما يعتبر مراقبون أن طهران تستخدم المضيق كورقة ابتزاز سياسي واقتصادي في مواجهة الضغوط الدولية.
الميليشيات تواصل التصعيد
ورغم توقف الضربات الأمريكية المباشرة، فإن الهجمات التي تنفذها الميليشيات الموالية لإيران استمرت في أكثر من ساحة، في مؤشر على أن طهران تحاول الحفاظ على أدوات التصعيد عبر وكلائها، مع تجنب الانخراط المباشر في مواجهة جديدة مع واشنطن.
وفي هذا السياق، أعلنت السعودية اعتراض وتدمير طائرات مسيرة انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت منشآت نفطية في الرياض والمنطقة الشرقية، مؤكدة أن الهجمات نفذتها ميليشيات مرتبطة بإيران، وأن المملكة تحتفظ بحقها الكامل في الرد على مصادر التهديد.
وطالبت الرياض الحكومة العراقية باتخاذ إجراءات حاسمة لمنع استخدام الأراضي العراقية منصة لاستهداف دول الجوار، في موقف يضع بغداد أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على فرض سيادة الدولة.
إدانات عربية وخليجية واسعة
وأدانت الإمارات العربية المتحدة بشدة الهجمات التي استهدفت السعودية، كما أدانت الاعتداء بطائرتين مسيرتين على الأردن، مؤكدة تضامنها الكامل مع البلدين ورفضها لأي أعمال تهدد أمن المنطقة واستقرارها.
كما صدرت إدانات مماثلة من مجلس التعاون الخليجي والكويت وقطر ومصر، التي اعتبرت أن الاعتداءات تمثل انتهاكاً للقانون الدولي وتصعيداً يهدد الأمن الإقليمي، داعية إلى وقف الهجمات التي تستهدف الدول العربية.
وفي الأردن، أعلن الجيش إسقاط طائرتين مسيرتين دخلتا الأجواء الأردنية دون وقوع خسائر، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض مسيرتين قرب الحدود الأردنية، وسط تحقيقات لتحديد مصدر إطلاقهما.
لقاء حاسم في واشنطن
وتتزامن هذه التطورات مع لقاء مرتقب بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في واشنطن، حيث سيكون الملف الإيراني في صدارة المباحثات، إلى جانب توسيع اتفاقيات السلام في المنطقة.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن إسرائيل ستضغط باتجاه عدم تقديم أي تنازلات لطهران خلال المفاوضات، بينما تسعى الإدارة الأمريكية إلى استثمار التهدئة المؤقتة للوصول إلى اتفاق سريع يمنع اندلاع مواجهة عسكرية جديدة.
ويرى مراقبون أن المشهد الإقليمي دخل مرحلة (التفاوض تحت النار)، فبينما تمنح واشنطن الدبلوماسية فرصة أخيرة، تواصل إيران استخدام الميليشيات وأوراق الضغط البحرية لإبقاء خصومها تحت التهديد، في محاولة لتحسين شروطها التفاوضية دون تحمل مسؤولية التصعيد المباشر.
ويؤكد هؤلاء أن نجاح أي اتفاق مستقبلي سيظل مرهوناً بوقف هجمات الوكلاء وعودة حرية الملاحة في مضيق هرمز، وإلا فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام جولة جديدة من المواجهة العسكرية.