الشرع يغلق الباب أمام الحرب: سوريا لن تدخل لبنان.. ودمشق تتمسك بدعم الدولة اللبنانية رجل ترامب للشرق الجديد يصل بغداد وأربيل.. هل تبدأ مرحلة إعادة رسم العراق والمنطقة؟ بعد تهديد البرلمان بمقاضاته.... هل أُجبر نبيل المرسومي على الصمت؟ وأين الادعاء العام؟ نهاية (إمبراطور الكريستال).. مقتل أخطر تاجر مخدرات في العراق وسط مخاوف من جيل يبتلعه الإدمان جهاز الأمن الوطني يكشف (ساعة الصفر) لاغتيال كبار قادته هل يتحول العراق إلى رئة تجارية لإيران؟.. تحذيرات من (ممر التفاف) قد يضع بغداد في مرمى الضغوط الأمريكية
تفكيك

العراق يقترب من عام بلا موازنة..
كيف تدار دولة نفطية وسط العاصفة؟

بغداد - سدن
12 يونيو 2026
العراق يقترب من عام بلا موازنة.. 
كيف تدار دولة نفطية وسط العاصفة؟

بغداد - سدن

يدخل العراق النصف الثاني من عام 2026 وهو يواجه وضعاً مالياً غير مألوف حتى بمعاييره السياسية المعقدة، فمع استمرار تعثر إقرار الموازنة الاتحادية، تجد الحكومة نفسها مضطرة لإدارة اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط من دون الوثيقة المالية التي يفترض أن ترسم أولويات الإنفاق والاستثمار والتنمية.

وللمرة الرابعة منذ عام 2003، يلوح في الأفق سيناريو إدارة الدولة عبر قواعد الصرف المؤقتة، في وقت تتراجع فيه الإيرادات النفطية تحت ضغط تقلبات الأسواق العالمية والاضطرابات الإقليمية التي ألقت بظلالها على حركة صادرات الطاقة في المنطقة.

وفي بلد تمثل فيه العائدات النفطية أكثر من تسعين بالمئة من الإيرادات العامة، لا يبدو غياب الموازنة مجرد أزمة إجرائية أو خلاف سياسي، بل تحدياً يمس قدرة الدولة على التخطيط والاستثمار وخلق فرص العمل، ويضع الاقتصاد العراقي أمام اختبار صعب بين المحافظة على الاستقرار المالي وتأمين متطلبات التنمية.

حكومة تعمل.. لكن بخطط مؤجلة

حتى الآن، ما تزال الحكومة تعتمد على أحكام قانون الإدارة المالية التي تسمح بالصرف الشهري وفق قاعدة (واحد على اثني عشر) من نفقات السنة السابقة عند تأخر إقرار الموازنة.

ويقول المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، إن هذه الآلية وفرت للحكومة هامشاً يسمح باستمرار دفع الرواتب والأجور والتقاعد والرعاية الاجتماعية، إلى جانب تمويل المشاريع المستمرة والنفقات الأساسية.

لكن ما تحققه هذه القاعدة من استقرار إداري لا يخفي حقيقة أخرى أكثر تعقيداً، فهي مصممة للحفاظ على عمل الحكومة، لا لإدارة عملية التنمية.

ففي حين تضمن استمرار المؤسسات الحكومية، فإنها تحد من قدرة الدولة على إطلاق مشاريع جديدة أو إعادة توجيه الإنفاق وفق المتغيرات الاقتصادية، ما يجعل الاقتصاد يتحرك عملياً بمنطق (إدارة الضرورة) بدلاً من (إدارة النمو).

الاقتصاد العراقي بين النفط والسياسة

خلال السنوات الماضية، ظل النفط يمثل العمود الفقري للاقتصاد العراقي. لكن الاعتماد المفرط على مورد واحد جعل المالية العامة شديدة الحساسية لأي اضطراب في الأسواق أو الجغرافيا السياسية.

ومع انخفاض الإيرادات النفطية خلال الأشهر الأخيرة، تزايدت الضغوط على الخزينة العامة في وقت لم تعد فيه الموازنة متاحة كأداة لإعادة ترتيب الأولويات أو توجيه الإنفاق نحو القطاعات الأكثر حاجة.

ويرى اقتصاديون أن العراق يواجه اليوم مفارقة معقدة، فالدولة ما تزال قادرة على دفع الرواتب وتأمين النفقات الأساسية، لكنها تجد صعوبة متزايدة في تمويل المستقبل.

التنمية أول الضحايا

الخبراء الاقتصاديون يجمعون تقريباً على أن المتضرر الأكبر من غياب الموازنة لن يكون الإنفاق التشغيلي، بل الإنفاق الاستثماري.

فالمشاريع الجديدة في مجالات الطرق والجسور والكهرباء والمياه والمدارس والمستشفيات تحتاج إلى غطاء مالي وتشريعي واضح، وهو ما يصبح أكثر تعقيداً في ظل العمل بقواعد الصرف المؤقتة.

ويحذر الخبير الاقتصادي ضياء المحسن من أن استمرار هذا الوضع يعني عملياً تأجيل جزء مهم من خطط التنمية، وتقليص قدرة الوزارات والمحافظات على التخطيط طويل الأمد.

كما أن الشركات المحلية والأجنبية المرتبطة بالمشاريع الحكومية تجد نفسها أمام بيئة أقل وضوحاً، ما ينعكس على قرارات الاستثمار والتوسع والتوظيف.

ويأتي ذلك في وقت ما يزال العراق يواجه إرثاً ثقيلاً من المشاريع المتلكئة، التي يتجاوز عددها آلاف المشاريع في قطاعات مختلفة، الأمر الذي يزيد من صعوبة تعويض سنوات التأخير المتراكمة.

سوق العمل تحت الضغط

ولا تتوقف التداعيات عند حدود الاستثمار.. ففي بلد يشكل القطاع الحكومي أحد أكبر مشغلي القوى العاملة، يرتبط ملف التوظيف بشكل مباشر بوجود الموازنة.

ويرى مختصون أن فرص التعيين الجديدة ستبقى محدودة في ظل الظروف الحالية، مع احتمال اقتصارها على القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والأمن.

وهذا الواقع يضيف ضغوطاً جديدة على سوق عمل يعاني أساساً من معدلات بطالة مرتفعة بين الشباب، ويزيد من التحديات الاجتماعية التي تواجهها الحكومة في السنوات المقبلة.

عجز أقل.. ونمو أضعف

على الورق، قد يبدو غياب الموازنة وكأنه يخفف من الضغوط المالية عبر تقليص الإنفاق الرأسمالي وخفض مستويات العجز.

لكن هذه الصورة لا تعكس كامل الحقيقة.. فالإنفاق الاستثماري ليس مجرد بند مالي يمكن الاستغناء عنه، بل يمثل محركاً للنشاط الاقتصادي وخلق الوظائف وزيادة الإنتاجية.

ومن هذا المنطلق، يحذر اقتصاديون من أن أي تحسن مؤقت في مؤشرات العجز قد يأتي على حساب النمو الاقتصادي المستقبلي، ما يعني أن الاقتصاد سيدفع الثمن لاحقاً عبر تراجع الإنتاج وفرص العمل والإيرادات غير النفطية.

عام للاحتياطيات لا للتوسع

ويصف الخبير المالي محمود داغر المرحلة الحالية بأنها من أصعب المراحل التي تواجه المالية العامة العراقية منذ سنوات.

فالأولوية لم تعد تدور حول إطلاق برامج توسع اقتصادي أو التعيينات الجديدة، بل حول حماية الاستقرار المالي وتأمين الرواتب والمحافظة على الاحتياطيات الأجنبية التي تمثل الضامن الأساسي لاستقرار الدينار وتمويل الاستيرادات.

وفي ظل هذه المعادلة، يصبح الحديث عن الكفاءة المالية وترشيد الإنفاق أكثر أهمية من الحديث عن التوسع في الإنفاق الحكومي.

هل يصبح القطاع الخاص بديلاً؟

ومع تضاؤل قدرة الموازنة على تمويل المشاريع الاستثمارية، تتجه الأنظار نحو القطاع الخاص باعتباره أحد الخيارات المتاحة لتقليل أثر الأزمة.

ويرى الخبير الاقتصادي صفوان قصي أن استمرار العمل بقاعدة (واحد على اثني عشر) يتطلب البحث عن أدوات تمويل جديدة، تشمل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتفعيل المحافظ الاستثمارية، ومنح المستثمرين المحليين والأجانب دوراً أكبر في تنفيذ مشاريع البنى التحتية والخدمات.

ويعتقد أن نجاح هذه المقاربة قد يخفف من أثر غياب الموازنة، لكنه لا يمكن أن يحل محلها بالكامل.

إدارة الدولة أم إدارة التنمية؟

حتى الآن، تبدو الحكومة قادرة على إبقاء مؤسسات الدولة عاملة ودفع الرواتب وتأمين الخدمات الأساسية.

لكن السؤال الذي يواجه العراق لم يعد يتعلق بقدرته على إدارة الدولة يوماً بيوم، بل بقدرته على إدارة المستقبل.

فالمشكلة الحقيقية ليست في استمرار الإنفاق الحكومي، بل في غياب الرؤية المالية التي تحدد أين يجب أن تستثمر الدولة مواردها، وكيف يمكن تحويل الثروة النفطية إلى نمو مستدام.

ولهذا يلخص كثير من الاقتصاديين المشهد بعبارة واحدة: يمكن للعراق أن يدير الدولة من دون موازنة، لكنه لا يستطيع إدارة التنمية بالطريقة نفسها.

شارك المقال f 𝕏 in