بغداد - سدن
أثارت تصريحات رئيس غرفة التجارة الإيرانية ـ العراقية المشتركة، يحيى آل إسحاق، بشأن إجراء مفاوضات مع بغداد للمساعدة في نقل البضائع الإيرانية العالقة في منطقة جبل علي الإماراتية، موجة تساؤلات واسعة حول طبيعة الدور الذي يطلب من العراق أداؤه في هذه المرحلة الحساسة، وما إذا كان الأمر يتعلق بمعالجة أزمة لوجستية عابرة أم بفتح مسار تجاري بديل يخفف من آثار الحصار الأمريكي المفروض على إيران.
وتأتي هذه التصريحات في توقيت بالغ الحساسية، مع تشديد واشنطن إجراءاتها البحرية ضد حركة التجارة الإيرانية، وإعلان القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) مواصلة تطبيق الحصار البحري على الموانئ والسواحل الإيرانية، الأمر الذي يضع أي تحركات تجارية جديدة مرتبطة بطهران تحت مجهر المتابعة الدولية.
وقال آل إسحاق إن بلاده تبحث مع العراق آليات لمعالجة جزء من أزمة البضائع الإيرانية الموجودة في جبل علي، مشيراً إلى أن ما يقرب من 12 مليار دولار من السلع تدخل سنوياً إلى الدورة التجارية الإيرانية عبر الإمارات، فيما يصل حجم التبادل التجاري الإيراني عبر الإمارات إلى نحو 20 مليار دولار سنوياً.
لكن هذه الأرقام الضخمة دفعت مراقبين إلى التساؤل عما إذا كان العراق بصدد التحول إلى ممر تجاري بديل للبضائع المتجهة إلى إيران، في ظل القيود المتزايدة على حركة النقل والشحن المرتبطة بالاقتصاد الإيراني.
بغداد أمام اختبار حساس
ويرى متابعون أن الخطر لا يكمن في حركة التجارة الطبيعية بين العراق وإيران، وهي تجارة قائمة ومعلنة منذ سنوات، بل في احتمال استخدام الأراضي العراقية كمنصة لإعادة توجيه بضائع أو شحنات يفترض أنها تواجه قيوداً أو إجراءات رقابية دولية.
ويحذر اقتصاديون من أن أي انطباع دولي بأن العراق يشارك في تخفيف آثار الحصار أو الالتفاف على القيود المفروضة على إيران قد يخلق تعقيدات سياسية واقتصادية لا تحتاجها بغداد في هذه المرحلة، خصوصاً في ظل سعي الحكومة إلى تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية وجذب الاستثمارات الأجنبية.
هل يدخل العراق في مواجهة لا تخصه؟
وتزداد حساسية الملف مع تزامنه مع إعلان (سنتكوم) تغيير مسار عشرات السفن وتعطيل أخرى قالت إنها مرتبطة بتطبيق الحصار البحري المفروض على إيران.
وفي ظل هذه المعطيات، يطرح مراقبون سؤالاً جوهرياً: هل تدرك بغداد حجم التداعيات المحتملة لأي دور يتجاوز التجارة التقليدية إلى توفير مسارات بديلة للبضائع الإيرانية؟
فواشنطن تنظر منذ سنوات بحساسية شديدة إلى شبكات الالتفاف على العقوبات، سواء عبر التحويلات المالية أو حركة البضائع أو شبكات النقل الإقليمية، وهو ما يجعل أي ترتيبات جديدة عرضة للتدقيق السياسي والاقتصادي.
من المستفيد؟
وتشير التقديرات إلى أن إيران تسعى إلى تقليل خسائرها الناتجة عن اضطراب خطوط التجارة التقليدية، عبر تنويع مسارات الوصول إلى الأسواق والسلع المستوردة، وهو ما يفسر الحديث عن خيارات تشمل العراق وباكستان والهند ومنافذ أخرى.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه داخل العراق هو: ما المكاسب التي سيحصل عليها الاقتصاد العراقي مقابل تحمل المخاطر السياسية المحتملة؟
ففي الوقت الذي تعاني فيه البلاد من ضغوط مالية متزايدة، وتأخر إقرار الموازنة، وتراجع الإيرادات النفطية، يرى مختصون أن الأولوية يجب أن تكون لحماية المصالح الاقتصادية العراقية وتجنب إدخال البلاد في صراعات المحاور والعقوبات والتجاذبات الإقليمية.
مخاوف من ردود فعل أمريكية وإقليمية
ويرى مراقبون أن أي ترتيبات تجارية تفهم خارج إطارها الطبيعي قد تثير ردود فعل أمريكية وإقليمية، خصوصاً إذا ظهرت مؤشرات على استخدام الأراضي أو الموانئ أو المنافذ العراقية كحلقة بديلة لتجاوز القيود المفروضة على إيران.
كما أن بعض دول المنطقة التي التزمت بسياسات واضحة تجاه العقوبات والإجراءات الدولية قد تنظر بحذر إلى أي دور عراقي محتمل في هذا الملف، ما قد يضيف أعباء سياسية جديدة على بغداد في مرحلة تسعى فيها إلى الحفاظ على توازن دقيق بين شركائها الإقليميين والدوليين.
وفي ظل غياب تفاصيل واضحة عن طبيعة المفاوضات التي تحدث عنها المسؤول الإيراني، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتعلق الأمر بتسهيلات تجارية اعتيادية بين دولتين جارتين، أم أن العراق يقترب من لعب دور أكبر في معركة كسر العزلة الاقتصادية المفروضة على إيران؟
الإجابة عن هذا السؤال قد لا تحدد مستقبل التجارة بين بغداد وطهران فحسب، بل قد تحدد أيضاً شكل العلاقة بين العراق وواشنطن خلال المرحلة المقبلة.