العراقيون يشرب السم.. 6 ملايين متر مكعب من المجاري تضخ يومياً إلى الأنهار لا انحناءات.. ولا رسائل ود مجانية.. الزيدي للسفير الإيراني: بغداد ليست محافظة تابعة لأحد حتى بعد مقتله.. خامنئي يصر على المرور بالعراق! ماذا سيحمل الزيدي في حقيبته إلى ترامب.. وما الذي تريده واشنطن من العراق؟ أراضي الدولة للعائلة أولاً! اتهامات تهز ذي قار وتضع المحافظ تحت المجهر الزيدي يجمد تغيير قيادة سامراء سامراء تدفع ثمن التنافس بين الفصائل.. والقرار الأمني ما زال خارج يد أبنائها
تفكيك

التسوية العظيمة أم الاستسلام الكبير؟
كيف خرجت إيران من المواجهة بأقل مما دخلت به؟

15 يونيو 2026
التسوية العظيمة أم الاستسلام الكبير؟
كيف خرجت إيران من المواجهة بأقل مما دخلت به؟

لم تكن المشكلة بالنسبة لطهران في الحرب نفسها، بل فيما كشفته الحرب.. فبعد سنوات طويلة من بناء صورة القوة الإقليمية القادرة على تهديد الممرات البحرية وإدارة شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء وفرض معادلات ردع متعددة الاتجاهات، وجدت إيران نفسها أمام اختبار مباشر انتهى إلى نتيجة مختلفة تماماً عما حاولت دعايتها السياسية والعسكرية تسويقه.

وإذا كان بعض المراقبين يركزون على ما يمكن أن تحصل عليه طهران من تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن بعض الأموال المجمدة، فإن القراءة الأوسع تشير إلى أن إيران تخوض اليوم مفاوضات من موقع أضعف بكثير مما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة.

فالولايات المتحدة لم تدخل هذه الأزمة بهدف تغيير النظام الإيراني، بل بهدف إعادة رسم حدود القوة الإيرانية وإجبار طهران على القبول ببيئة استراتيجية جديدة أكثر تقييداً وأقل قدرة على التوسع والمغامرة.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو النتيجة أقرب إلى انتصار استراتيجي أميركي منها إلى نجاح إيراني.

ماذا خسرت إيران؟

قبل المواجهة كانت طهران تتحدث عن قدرة شبه مطلقة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.. اليوم أصبح فتح المضيق واستمرار تدفق التجارة العالمية شرطاً أساسياً لأي تفاهم.

قبل المواجهة كانت إيران تتحدث عن معادلات ردع تمنع استهدافها.. اليوم تفاوض للحصول على ضمانات تحول دون تكرار الضربات.

قبل المواجهة كانت تتحدث عن شبكة إقليمية واسعة من الحلفاء والأذرع.. أما اليوم فبات جزء كبير من هذه الشبكة تحت ضغط غير مسبوق، بينما تحولت ملفات الوكلاء والميليشيات إلى عبء تفاوضي أكثر منها ورقة قوة.

وقبل المواجهة كانت طهران تؤكد أنها لن تفاوض تحت الضغط.. أما اليوم فإن المفاوضات نفسها جاءت نتيجة ضغط عسكري واقتصادي وسياسي متراكم فرض عليها العودة إلى الطاولة بشروط مختلفة.

الأموال ليست انتصاراً

يركز بعض المدافعين عن الموقف الإيراني على احتمالات الإفراج عن أموال مجمدة أو تخفيف بعض العقوبات، لكن هذا المنطق يتجاهل سؤالاً أكثر أهمية: لماذا جمدت هذه الأموال أصلاً؟ ولماذا تسعى إيران اليوم لاستعادتها؟

أن الدول المنتصرة لا تدخل المفاوضات بحثاً عن أموالها المحتجزة، ولا تفاوض لإنهاء عزلتها الاقتصادية، ولا تبحث عن ضمانات تمنع خصومها من استهدافها مجدداً.

والحقيقة أن مجرد انتقال إيران من خطاب (الصمود والمواجهة) إلى خطاب (رفع العقوبات والإفراج عن الأموال) يكشف حجم التحول الذي فرضته الوقائع على الأرض.

انهيار نظرية الردع

الضربة الأكبر لم تكن اقتصادية، بل معنوية واستراتيجية.. فعلى مدى سنوات طويلة، استندت العقيدة الأمنية الإيرانية إلى فرضية بسيطة: أن تكلفة استهداف إيران ستكون أعلى من قدرة خصومها على تحملها.

غير أن الأشهر الأخيرة أظهرت أن الولايات المتحدة وحلفاءها باتوا أكثر استعداداً للمواجهة، وأكثر قدرة على استخدام القوة دون الانزلاق إلى حرب شاملة كانت طهران تراهن عليها لردعهم، وهذا التطور وحده يمثل تحولاً استراتيجياً بالغ الأهمية.

فالدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من صواريخ أو مسيرات، بل بقدرتها على تحويل تلك الأدوات إلى ردع فعلي.

الحرس الثوري.. الخاسر الأكبر

على خلاف الصورة التي يحاول بعض المحللين رسمها، فإن المؤسسة الأكثر تضرراً من المسار الحالي قد تكون الحرس الثوري نفسه.

فالحرس الثوري بنى نفوذه خلال العقود الماضية على ثلاث ركائز أساسية: الضغوط الإقليمية، وتوسيع شبكات النفوذ، واستخدام التوتر المستمر كأداة لتعزيز دوره الداخلي.

أما اليوم فإن أي تسوية محتملة تعني عملياً تقليص هامش الحركة، وزيادة الرقابة الدولية، وارتفاع كلفة المغامرات الإقليمية، وتراجع القدرة على استخدام التهديد العسكري بالطريقة التي كانت سائدة سابقاً.

بمعنى آخر، فإن المؤسسة التي ازدهرت في بيئة الأزمات تجد نفسها الآن أمام بيئة سياسية مختلفة تماماً.

انتصار من دون حرب شاملة

اللافت أن واشنطن نجحت في تحقيق جزء كبير من أهدافها دون التورط في حرب مفتوحة طويلة ومكلفة.

فبدلاً من إسقاط النظام الإيراني أو احتلال أراض أو خوض حرب استنزاف جديدة في الشرق الأوسط، تمكنت الولايات المتحدة وشركاؤها من دفع طهران نحو إعادة حساباتها الاستراتيجية وهي ما تزال داخل حدودها.

وهذا بالضبط ما كانت تسعى إليه الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ سنوات.

فالمقياس الحقيقي للنجاح ليس عدد الصواريخ التي أطلقت، ولا حجم الخطابات التي ألقيت، بل شكل المنطقة بعد انتهاء الأزمة.

ومن هذه الزاوية، تبدو الصورة مختلفة تماماً عما تحاول طهران تسويقه.

فإيران التي دخلت المواجهة وهي تتحدث عن تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم تفاوض للحفاظ على ما تبقى من مكتسباتها.

أما الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها، فقد نجحت في فرض معادلة جديدة عنوانها أن النفوذ الإيراني لم يعد يتمتع بالحصانة التي اعتادها طوال العقدين الماضيين.

وقد يكون هذا هو الإنجاز الاستراتيجي الأهم في كل ما جرى.

فالتاريخ لا يتذكر من أعلن النصر أولاً، بل من خرج من المعركة وهو يملك أوراقاً أكثر مما كان يملك عند بدايتها.. وحتى الآن، تشير المعطيات إلى أن الرصيد الأميركي ازداد، فيما تقلص هامش المناورة الإيراني بصورة لم تشهدها المنطقة منذ سنوات طويلة.

شارك المقال f 𝕏 in