تفكيك

هل يبدأ إسقاط النظام الإيراني من الأطراف لا من طهران؟

لندن - سدن
1 أغسطس 2026
هل يبدأ إسقاط النظام الإيراني من الأطراف لا من طهران؟

لندن - سدن

منذ أكثر من أربعة عقود، انشغل خصوم الجمهورية الإسلامية بالسؤال نفسه: كيف يمكن إسقاط النظام الإيراني؟

الرهان تبدل مرات عديدة.. مرة عبر العقوبات الاقتصادية، ومرة عبر الاحتجاجات الشعبية، ومرة عبر اغتيال قادة الحرس الثوري، وأخرى عبر استهداف البرنامج النووي. لكن النتيجة بقيت واحدة تقريباً، النظام يتلقى الضربات، ثم يعيد ترتيب صفوفه ويواصل البقاء.

الكاتب الإسرائيلي دورون هدار، في مقال نشرته صحيفة (يديعوت أحرونوت)، يقترح مقاربة مختلفة تماماً. فهو يرى أن المشكلة لا تكمن في قوة النظام فقط، بل في الطريقة التي يحاول الغرب من خلالها إسقاطه.

بحسب هدار، فإن الغرب يكرر الخطأ نفسه، وهو محاولة إسقاط الهرم من قمته، بينما يكون الأجدى تفكيكه من قاعدته.

من المركز إلى الأطراف أو العكس؟

الفكرة الأساسية التي يطرحها الكاتب تقوم على أن إيران ليست دولة متجانسة يمكن إسقاط سلطتها بضربة واحدة.

إنها دولة مترامية الأطراف، متعددة القوميات والهويات، تضم الفرس والأكراد والعرب والبلوش والتركمان والأذريين واللور وغيرهم، إضافة إلى تباينات اقتصادية وجغرافية كبيرة بين أقاليمها.

ويرى أن هذا التنوع يجعل السيطرة المركزية على البلاد تعتمد بصورة كبيرة على استمرار قدرة طهران على فرض هيبتها في جميع المحافظات.

ومن هنا، يقترح أن يتحول الضغط من العاصمة إلى الأطراف.

فبدلاً من محاولة إسقاط النظام دفعة واحدة، يمكن - بحسب رؤيته - العمل على إضعافه تدريجياً في منطقة بعد أخرى، حتى يبدأ بفقدان السيطرة على أجزاء من البلاد.

استراتيجية (المناطق المتساقطة)

يتحدث هدار عن تقسيم الجهد إلى مراحل، وفي كل مرحلة، يجري التركيز على إقليم واحد فقط، ليس بهدف احتلاله عسكرياً، وإنما لإضعاف أدوات السلطة فيه، وإرباك أجهزتها الأمنية، وتهيئة الظروف لاحتجاجات محلية، ثم تشجيع ظهور قيادة بديلة تستطيع إدارة المنطقة إذا تراجع نفوذ النظام.

وبحسب هذا التصور، فإن تكرار العملية في أكثر من محافظة قد يؤدي إلى تراكم الخسائر السياسية والأمنية للنظام، حتى يصبح عاجزاً عن إعادة فرض سلطته في جميع أنحاء البلاد.

إنها، وفق هذا المنطق، عملية استنزاف بطيئة، وليست انقلاباً سريعاً.

لماذا لا يكفي اغتيال القادة؟

يرى الكاتب أن السنوات الأخيرة قدمت درساً واضحاً، فاستهداف القادة، مهما كانت أهميتهم، لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الأنظمة العقائدية أو التنظيمات المسلحة.

فالقيادات يمكن استبدالها، والأنظمة التي بنيت على مؤسسات أمنية وعسكرية وعقائدية تمتلك عادة القدرة على إنتاج قيادات جديدة، حتى لو كانت أقل كفاءة أو كاريزما من سابقيها.

ويضرب هدار مثالاً عاماً بالحركات المتشددة التي فقدت قادتها أكثر من مرة، لكنها استمرت في العمل لأنها احتفظت بالأرض وبالمؤسسات وبالقدرة على إدارة السكان، ولهذا، فإن استهداف الأشخاص وحده لا يحقق الهدف النهائي.

الأرض قبل القيادة

في المقابل، يعتبر الكاتب أن فقدان السيطرة على الأرض أخطر بكثير من فقدان القادة.

فعندما يبدأ النظام بخسارة المحافظات، أو يعجز عن فرض سلطته في مناطق معينة، فإنه لا يخسر مجرد مساحة جغرافية، بل يخسر مصادر التجنيد، والموارد الاقتصادية، وهيبة الدولة، وثقة السكان بقدرته على الحكم.

ومع اتساع هذه المناطق، يصبح من الصعب جداً استعادة السيطرة عليها جميعاً في وقت واحد، وهنا يتحول التراجع إلى مسار تراكمي، لا إلى أزمة عابرة.

هل النموذج قابل للتطبيق؟

النظرية تبدو، من الناحية العسكرية، أقرب إلى مفهوم (تفكيك الدولة من الأطراف)، وهو أسلوب استخدم بدرجات مختلفة في صراعات عديدة حول العالم، حيث أدى فقدان الحكومات السيطرة على بعض الأقاليم إلى إضعافها تدريجياً، لكن تطبيق هذه الفكرة على إيران يواجه تحديات كبيرة.

فالنظام الإيراني يمتلك أجهزة أمنية واسعة الانتشار، أبرزها الحرس الثوري وقوات التعبئة (الباسيج)، كما يتمتع بخبرة طويلة في احتواء الاحتجاجات المحلية ومنع تحولها إلى حركات انفصالية منظمة.

إضافة إلى ذلك، فإن أي دعم خارجي لتحركات داخل الأقاليم الإيرانية قد يمنح طهران فرصة لتصويرها على أنها مشروع لتقسيم البلاد، وهو خطاب استخدمته القيادة الإيرانية مراراً لتعبئة الرأي العام الداخلي.

كما أن كثيراً من المجموعات القومية داخل إيران، رغم خلافها مع السلطة، لا تتبنى بالضرورة مشروع الانفصال أو إسقاط الدولة، بل تطالب بدرجات متفاوتة من الحقوق السياسية والثقافية والاقتصادية.

بين النظرية والواقع

ما يطرحه دورون هدار لا يعكس بالضرورة سياسة غربية قائمة، لكنه يكشف عن تحول في طريقة التفكير داخل بعض الأوساط الإسرائيلية والغربية، فبعد سنوات من الرهان على العقوبات الاقتصادية، ثم على الضغوط الدبلوماسية، ثم على الضربات العسكرية واستهداف القيادات، بدأ يظهر نقاش جديد يبحث عن وسائل تستنزف النظام الإيراني من الداخل، عبر تقليص مساحة سيطرته تدريجياً، بدلاً من انتظار انهياره بضربة واحدة.

ويبقى نجاح مثل هذا التصور مرتبطاً بعوامل معقدة، أبرزها طبيعة المجتمع الإيراني، وقدرة مؤسسات الدولة على الحفاظ على تماسكها، وحجم الدعم الخارجي لأي حراك محلي، فضلاً عن رد فعل القوى الإقليمية والدولية تجاه أي سيناريو قد يقود إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية لإيران.

شارك المقال f 𝕏 in