لندن – سدن
منذ سنوات، تتكرر قصة نهاية هيمنة الدولار بصيغ مختلفة، فالصين توسع استخدام اليوان، دول البريكس تتحدث عن بدائل، العملات الرقمية للبنوك المركزية تعد بتحويل الأموال مباشرة بين الدول، والعقوبات الأميركية تجعل بعض الحكومات أكثر رغبة في بناء أنظمة لا تمر عبر نيويورك أو شبكة سوفت.
ثم تأتي التفاصيل العملية فتبدو القصة أقل بساطة..
صحيفة (فايننشال تايمز) كشفت اليوم عن أن السعودية خرجت من مشروع mBridge، وهو مشروع للعملات الرقمية العابرة للحدود تقوده الصين، ويهدف إلى تمكين البنوك المركزية المشاركة من تسوية المدفوعات مباشرة باستخدام عملاتها الرقمية، وكانت المملكة قد انضمت في 2024 إلى المشروع الذي شاركت فيه الصين والإمارات وتايلاند وهونغ كونغ، قبل أن تنهي مشاركتها النشطة بعد استكمال مرحلة إثبات المفهوم، وفق البنك المركزي السعودي.
وينبغي الحذر من المبالغة في تفسير الخطوة سياسياً، فالبنك المركزي السعودي يقول إن الخروج كان جزءاً من خطة محددة سلفاً، ولا يوجد ما يثبت أن الرياض اتخذت قراراً استراتيجياً بالاصطفاف ضد الصين أو ضد فكرة المدفوعات الرقمية.
لكن القصة مفيدة لفهم لماذا يصعب بناء بديل للنظام المالي القائم.
فالدولار لا يهيمن لأن الأميركيين أصدروا أمراً بذلك، بل يهيمن لأن حوله منظومة، تتألف من سوق سندات عميقة، وبنوك، ومؤسسات، وسيولة، وعقود، واحتياطيات، وقوانين، وثقة نسبية، وشبكة ضخمة من الاستخدام تجعل كل مستخدم جديد أكثر ميلاً إلى استخدام العملة نفسها.
وهذه هي قوة (الشبكة)، فإذا كان المورد يفضل الدولار، والعميل يحتفظ بالدولار، والبنك يموله بالدولار، فإن الانتقال إلى عملة أخرى يحتاج إلى سبب قوي.
وحاول مشروع mBridge معالجة جزء مختلف من المشكلة، الا وهي البنية التحتية للدفع، فبدلاً من أن تمر المعاملة عبر سلسلة من البنوك المراسلة، تستطيع البنوك المركزية استخدام منصة رقمية مشتركة لتسوية الأموال بصورة أسرع وأرخص.
تقنياً.. الفكرة جذابة، لكن سياسياً، تصبح أكثر حساسية، لأن النظام المالي ليس أنابيب محايدة، ومن يسيطر على الأنابيب يملك قوة، فالولايات المتحدة تستطيع استخدام مكانة الدولار والنظام المالي في العقوبات، والصين تريد بطبيعة الحال تقليل قدرتها على التعرض لهذه القوة، وهناك دول أخرى قد ترغب في خيارات إضافية حتى إذا لم تكن في صراع مع واشنطن.
لكن البديل نفسه يخلق سؤالاً: إذا خرجنا من شبكة تقودها أميركا، فهل ندخل شبكة تستطيع الصين التأثير فيها؟
الدولة المتوسطة لا تريد دائماً اختيار سيد مالي جديد، فقد تفضل تعدد الخيارات، وهذا يفسر جانباً من السياسة السعودية الحديثة.
وتضيف (فايننشال تايمز) ان الرياض توسع تجارتها مع الصين وتبني علاقات اقتصادية عميقة معها، وفي الوقت نفسه تحافظ على روابط مالية وأمنية كبيرة مع الولايات المتحدة والغرب.
وهذه ليست مفارقة، إنها تنويع، كذلك الإمارات تتبع نموذجاً قريباً بدرجات مختلفة، فالدول الخليجية تستطيع التعامل باليوان في صفقة، والدولار في أخرى، والاستثمار في نيويورك ولندن، والتجارة مع شنغهاي، والهدف ليس إسقاط الدولار، بل زيادة حرية الحركة.
وهنا تكمن مبالغة جزء من خطاب (إزالة الدولرة)..
فهناك فرق بين انخفاض حصة الدولار تدريجياً وبين انهيار النظام الدولاري، الأول يحدث ويمكن أن يستمر، والثاني يحتاج إلى بديل قادر على توفير ما يوفره الدولار كله، لا مجرد وسيلة دفع.
أما اليوان فانه يواجه قيوداً مرتبطة بحركة رأس المال والسياسة المالية الصينية، واليورو يملك اقتصاداً ضخماً لكنه لا يملك اتحاداً مالياً وسياسياً كاملاً يوازي الولايات المتحدة، والذهب مخزن قيمة لكنه ليس نظام مدفوعات حديثاً، والعملات المشفرة متقلبة وغير مناسبة لتكون أساس احتياطيات الدول، والعملات الرقمية للبنوك المركزية تغير وسيلة النقل أكثر مما تغير طبيعة المال.
فإذا أرسلت الريال رقمياً إلى الصين ثم احتاج الطرف الآخر في النهاية إلى أصل سائل وآمن يحتفظ به، يعود السؤال إلى الاحتياطي.. وهنا ما زال الدولار قوياً.
هذا لا يعني أنه محصن إلى الأبد، فالإفراط في استخدام العقوبات يستطيع تشجيع البدائل، والعجز الأميركي والدين والسياسة الداخلية كلها عوامل تؤثر في الثقة على المدى الطويل، لكن الهيمنة المالية لا تسقط لأن مؤتمراً أعلن نهاية العملة، بل تسقط حين تصبح هناك شبكة أفضل.
وخروج السعودية من mBridge لا يعلن انتصار الدولار ولا فشل الصين، لكنه يقدم تذكيراً مفيداً بأن إعادة هندسة النظام المالي العالمي أصعب بكثير من بناء تطبيق جديد للتحويل.