تفكيك

الحرب الروسية - الاوكرانية انتقلت من الجبهة إلى المستودع..
لماذا أصبحت (الثلاجة والسكة والمصنع) أهدافاً استراتيجية؟

لندن - سدن
20 سبتمبر 2026
الحرب الروسية - الاوكرانية انتقلت من الجبهة إلى المستودع..
لماذا أصبحت (الثلاجة والسكة والمصنع) أهدافاً استراتيجية؟

لندن – سدن

حين نتخيل حرباً، نرى الخندق والدبابة والجندي، لكن الدولة لا تقاتل بالجنود وحدهم، فهي تحتاج إلى قطار ينقلهم، ومصنع ينتج الفولاذ، ومستودع يحتفظ بالغذاء، وشركة تدفع الضرائب، ومتجر يبقي المدينة قادرة على العيش.

ولهذا أصبحت البنية الاقتصادية الأوكرانية نفسها جزءاً متزايداً من ساحة الحرب.

صحيفة (فايننشال تايمز) أفادت اليوم، بأن روسيا أطلقت حملة جوية متجددة تستهدف بصورة أوسع البنية الاقتصادية الأوكرانية، بما فيها مستودعات ومراكز توزيع ومنشآت صناعية وسكك حديد ومحطات وقود، في استراتيجية يرى مسؤولون أوكرانيون أنها تهدف إلى تقليص قدرة الاقتصاد على تمويل الحرب والاستمرار فيها.

 وتقول الصحيفة إن نحو 2.1 مليون متر مربع من مساحة المستودعات الحديثة في أوكرانيا دمرت منذ بداية الحرب، بينها قرابة 900 ألف متر مربع في الضربات الأحدث، فيما تعرضت صناعة الفولاذ لضربات أوقفت منشآت مهمة.

وهذه الأرقام تشرح معنى (حرب الاستنزاف) أفضل من خرائط الجبهة أحياناً، فالجندي يحتاج إلى راتب، والراتب يأتي من الميزانية، والميزانية تحتاج إلى ضرائب، والضريبة تحتاج إلى شركة تعمل.

فإذا توقف المصنع، تخسر الدولة الإنتاج والوظائف والتصدير والضريبة في الوقت نفسه، وإذا دمر المستودع، لا تخسر الشركة المبنى فقط، بل تتعطل سلسلة الإمداد التي تربط المنتج بالمتجر.

وهذه هي الحرب الاقتصادية في صورتها المادية.

في الحرب العالمية الثانية كانت المصانع والجسور والسكك أهدافاً واضحة لأن الجيوش الصناعية تعتمد عليها، والأسلحة الحديثة أعادت المنطق نفسه لكن بدقة ومدى مختلفين.

فالطائرة المسيرة الرخيصة نسبياً تستطيع إجبار الدولة على استخدام صاروخ دفاع جوي أغلى، أو الوصول إلى منشأة تبعد مئات الكيلومترات عن الجبهة.

ومن منظور القانون الدولي، استهداف المدنيين والأعيان المدنية محظور، بينما قد تصبح المنشأة هدفاً عسكرياً إذا قدمت مساهمة فعالة للعمل العسكري وفق شروط القانون الإنساني، ولهذا يكون توصيف الأهداف ومبدأ التناسب والتمييز محورياً في تقييم كل ضربة على حدة، بحيث لا يكفي وصف منشأة بأنها اقتصادية لإثبات قانونية أو عدم قانونية استهدافها.

استراتيجياً، الغرض أوسع من التدمير الفوري، فإذا أصبح المستثمر يعرف أن المستودع قد يدمر، ترتفع كلفة التأمين، وإذا ارتفع التأمين، ترتفع كلفة السلعة، وإذا أصبحت السكك أقل موثوقية، تحتاج الشركة إلى مخزون أكبر، وإذا هاجر العامل، يصعب تشغيل المصنع.

إذن.. الحرب تفرض ضريبة على كل قرار اقتصادي حتى عندما لا تسقط قنبلة على الشركة نفسها، وهذا ما يجعل إعادة الإعمار أثناء الحرب مختلفة عن إعادة الإعمار بعدها.

فأوكرانيا لا تستطيع انتظار السلام كي تصلح كل شيء، بل يجب أن تعيد بناء منشأة يعرف الجميع أنها قد تضرب مرة أخرى، فاقتصادياً يبدو ذلك غير منطقي، لكن استراتيجياً لا يوجد بديل، لان البلد الذي يؤجل حياته حتى نهاية الحرب قد يصل إلى النهاية بلا اقتصاد.

وهنا يظهر دور الدعم الخارجي، فالمساعدات العسكرية تحمي الجبهة، لكن الدعم المالي والتأمين وضمانات الاستثمار تحمي قدرة المجتمع على البقاء.

وأوكرانيا بدورها بدأت تستهدف منشآت روسية، وخصوصاً تلك المرتبطة بالطاقة والإيرادات، في محاولة لرفع الكلفة الاقتصادية على موسكو، أي أن الطرفين يحاولان الوصول إلى الشيء نفسه، وهو قدرة الآخر على تحويل الاقتصاد إلى قوة حرب.

وهذه ليست حرباً (بدلاً من) الحرب العسكرية، انها نوع اخر منها، ومع طول النزاع، تصبح أهم.

ولهذا فإن الخبر عن مستودع ألعاب محترق أو مصنع فولاذ متوقف قد يبدو أقل درامية من خبر معركة على قرية، لكنه يستطيع أن يقول أكثر عن الاتجاه الطويل للحرب.

فالجبهة تحدد أين يقف الجيش اليوم.. لكن الاقتصاد يحدد المدة التي يستطيع الوقوف فيها هناك.

شارك المقال f 𝕏 in