واشنطن – سدن
لن يكون مشهد دخول الرئيس الصيني الى البيت الأبيض هذا الأسبوع، مجرد قمة أخرى بين أكبر اقتصادين في العالم، بل انه مشهد لواحد من التحولات اللافتة في سياسة الرئيس الأميركي، الرجل الذي جعل الصين طوال سنوات رمزاً لخسارة الوظائف الأميركية أصبح اليوم أكثر استعداداً لإظهار دفء شخصي تجاه زعيمها والبحث عن صفقة واسعة معه.
واليوم، بدأت في نيويورك جولة تمهيدية بين وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ، تشمل التجارة والرسوم الجمركية والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية، قبل لقاء ترامب وشي المرتقب في 24 أيلول.
وافادت (رويترز) إن التوقعات تميل إلى تفاهمات تدريجية أكثر من صفقة كبرى فورية، مع بقاء الهدنة التجارية الحالية ومشتريات الصين من السلع الأميركية وتدفق المعادن النادرة في صلب المفاوضات.
أما (واشنطن بوست) فقد لفتت في اليوم نفسه إلى التناقض السياسي، فترامب الذي بنى جزءاً مهماً من صعوده على تصوير الصين تهديداً اقتصادياً أصبح يستقبل شي في لحظة يبحث فيها البلدان عن مساحة للتعاون.
لكن التناقض ظاهري أكثر مما يبدو.
فترامب لم يتعامل مع الصين يوماً باعتبارها خصماً أيديولوجياً فقط، فنظرته الأساسية تجارية، من ناحية ان أميركا تملك أوراقاً، والصين تملك أوراقاً، والمطلوب استخدام الضغط للوصول إلى اتفاق يراه أفضل.
وهذا يختلف عن تيار آخر في واشنطن يرى المنافسة مع الصين صراعاً بنيوياً طويل الأمد، لا تحله صفقة شراء طائرات بوينغ أو فول الصويا.
والصين بدورها تملك أسباباً للتهدئة، فاقتصادها يحتاج إلى بيئة تجارية أقل اضطراباً، والشركات الصينية تحتاج إلى الوصول إلى أسواق وتقنيات، فيما تريد بكين منع تشكل تحالف اقتصادي غربي أكثر صرامة حولها.
لكنها تملك أيضاً أوراق قوة لم تكن واضحة بهذا الحجم قبل سنوات، والمعادن النادرة واحدة منها.
فالعالم الحديث يحتاج إلى مواد تدخل في السيارات الكهربائية والدفاع والإلكترونيات والطاقة، والصين لا تملك جزءاً مهماً من الاستخراج فقط، بل قدرة هائلة في المعالجة والتكرير، لذلك تستطيع القيود على الصادرات أن تصل إلى المصنع الأميركي بصورة أسرع مما تستطيع تعريفة جمركية أن تصل إلى المصنع الصيني.
أما الذكاء الاصطناعي فهو ورقة أخرى..
فواشنطن تملك أفضلية في الرقائق المتقدمة والنماذج والشركات الكبرى، لكن الصين أثبتت أنها قادرة على تطوير منظومة ذكاء اصطناعي تنافسية رغم القيود، ولهذا لم يعد النقاش حول منع الصين من دخول السباق، بل حول حجم الفارق الذي تستطيع أميركا الحفاظ عليه.
من جهتها، اشارت (رويترز) إلى أن محادثات نيويورك ستتناول أيضاً إمكان وضع ضمانات تقلل إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، وهذا تطور مهم، فعندما تصبح التقنية قوية إلى درجة أن الخصمين يحتاجان إلى قواعد مشتركة كي لا تؤذيهما، تبدأ المنافسة في إنتاج شكل من أشكال التعاون.
لكن هناك ملفات أخرى أصعب بكثير، فتايوان تبقى العقدة الاستراتيجية المركزية. حلفاء أميركا في آسيا يراقبون التقارب بحذر، و(لوموند) كتبت اليوم عن أن عدم القدرة على التنبؤ بسياسة ترامب يدفع حلفاء آسيويين إلى إعادة التفكير في أمنهم وفي مقدار اعتمادهم على الولايات المتحدة إذا وقع صدام مع الصين، وهنا يوجد الحد الذي لا تستطيع الصفقة التجارية تجاوزه بسهولة.
فشراء الصين مزيداً من المنتجات الأميركية يمكن حسابه بالدولار، لكن مسألة تايوان لا يمكن حسابها بهذه الطريقة، كذلك العلاقات مع اليابان والفلبين وأستراليا.
وهناك أيضاً إيران، التي أصبحت عنصراً إضافياً في حسابات واشنطن وبكين، والطاقة، والعقوبات، وتدفقات الاستثمار، فكلما اتسعت قائمة الملفات، زادت إمكانية المقايضة، وهذا يناسب ترامب، لكنه يزيد قلق المؤسسات الأميركية التي تفضل فصل الأمن القومي عن الصفقة التجارية.
المنافسة الأميركية الصينية ستستمر مهما كانت حرارة المصافحة في البيت الأبيض، والبلدان سيبقان يتنافسان على التكنولوجيا والصناعة والقوة البحرية والأسواق والمعايير والنفوذ السياسي، فلا تستطيع قمة واحدة إلغاء ذلك، لكنها تستطيع تغيير طريقة إدارة المنافسة.
والسيناريو الأفضل للطرفين هو منافسة قاسية لها حواجز تمنع الانزلاق إلى مواجهة غير مقصودة، أما السيناريو الأسوأ فهو أن يفسر كل طرف مرونة الآخر على أنها ضعف، ثم يختبرها في ملف لا يسمح بالتراجع.
ترامب يريد أن يثبت أن الضغط صنع الصفقة.. وشي يريد أن يثبت أن الصين أصبحت قوة لا يمكن الضغط عليها من دون ثمن.
وبين السيناريوين سيجلس اقتصاد عالمي كامل ينتظر أن يعرف ما إذا كان أكبر خصمين اقتصاديين في العالم قد تعلما التعايش مع منافستهما، أم أنهما اشتريا فقط هدنة جديدة.