لندن – سدن
تصف صحيفة (فايننشال تايمز) اللحظة الحالية بأنها (لحظة أنغلو – فرنسية)، مستعيدة التاريخ المعقد بين بريطانيا وفرنسا، من شارل ديغول في منفاه اللندني إلى علاقة بلدين أمضيا قروناً يتنافسان ثم اكتشفا، مرة بعد أخرى، أنهما يحتاجان إلى بعضهما.
واليوم توجد أسباب عملية أكثر من العاطفة لهذا التقارب، فبريطانيا خرجت من الاتحاد الأوروبي لكنها لم تخرج من أوروبا.
وفرنسا داخل الاتحاد لكنها تدرك أن القوة العسكرية البريطانية لا يمكن تجاهلها في أي بنية أمنية للقارة.
كلاهما قوتان نوويتان، وعضوان دائمان في مجلس الأمن، ويملكان صناعات دفاعية، ولديهما قدرة عسكرية لا تتوفر لمعظم الدول الأوروبية.
وفي عالم أصبحت فيه العلاقة مع الولايات المتحدة أقل قابلية للتنبؤ، تصبح هذه الحقائق أكثر أهمية.
(رويترز) رصدت هذا الأسبوع كيف أعاد ضغط ترامب تشكيل الدفاع الأوروبي، حتى من دون حدوث انسحاب أميركي واسع من القارة، فالأوروبيون بدأوا يتعاملون بجدية أكبر مع فكرة أنهم يجب أن يتحملوا حصة أكبر من أمنهم.
وهنا تصبح بريطانيا مشكلة وحلاً في الوقت نفسه.. صحيح ان بريكست أخرجها من مؤسسات الاتحاد، لكن الصاروخ البريطاني لا يهتم بريكست، والغواصة البريطانية لا تصبح أقل أوروبية جغرافياً لأن لندن لا تجلس في مجلس الاتحاد، الامر الذي يفرض شكلاً جديداً من البراغماتية.
فالسياسة الأوروبية أمضت سنوات تناقش العلاقة مع بريطانيا من زاوية السوق والجمارك والتنظيم، لكن الأمن يعيد ترتيب الأولويات.
فحين تشعر القارة بالخطر، يصبح السؤال ليس هل تطبق بريطانيا هذه اللائحة، بل ماذا تستطيع أن تقدم عسكرياً واستخبارياً، وفرنسا هي الشريك الطبيعي في هذا المجال، والمنافس الطبيعي أيضاً.
فلدى البلدين تاريخ طويل من التعاون الدفاعي والمشروعات المشتركة، وتاريخ طويل بالقدر نفسه من الغيرة الاستراتيجية، فكل منهما يرى نفسه قوة ذات نطاق عالمي، ففرنسا تملك حضوراً في أفريقيا والمحيطين الهندي والهادئ، وبريطانيا تحتفظ بشبكة تحالفات وقواعد وصلات وثيقة بالولايات المتحدة، وحين يعملان معاً، يستطيعان توفير نواة أوروبية ذات وزن.
لكن التقارب لا يلغي الخلافات، في ملفات الهجرة عبر القنال، والصيد، والتجارة، والعلاقة مع الاتحاد، وأحياناً مجرد التاريخ.
وهناك بعد أوسع، فأوروبا تبحث الآن عن شكل جديد لنفسها، وفكرة (العضوية) نفسها بدأت تصبح أكثر مرونة، المفوضية اقترحت هذا الأسبوع فتح الباب أمام صيغة (عضو مشارك) لكندا، في خطوة لم يتضح شكلها القانوني بعد لكنها تكشف بحث القارة عن دوائر تعاون تتجاوز الحدود التقليدية للاتحاد.
وإذا أصبحت أوروبا شبكة دوائر بدلاً من نادٍ بعضوية واحدة، فإن بريطانيا تستطيع العودة إلى مركز المشروع الأوروبي في مجالات معينة من دون إعادة بريكست إلى الوراء رسمياً.
فملفات الدفاع، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والمعادن الحيوية، والأمن، لا تحترم كثيراً الحدود القانونية التي رسمتها مفاوضات الخروج، وهذا ربما يكون التطور الأكثر إثارة.
لقد كان بريكست نقاشاً عن السيادة الوطنية، لكن العالم بعده أصبح أقل ملاءمة للدول التي تحاول ممارسة السيادة وحدها، فالصين أكبر، وأمريكا أكثر تقلباً، وروسيا أكثر صدامية، والتكنولوجيا تحتاج إلى أسواق ورأس مال هائل، والدفاع مكلف، لذلك تعود بريطانيا إلى التعاون الأوروبي لا لأنها اكتشفت أن الاستفتاء كان خطأ بالضرورة، بل لأن تعريف الاستقلال نفسه تغير.
ان الدولة المستقلة ليست الدولة التي تفعل كل شيء وحدها، بل هي الدولة التي تختار من تتعاون معه وبأي شروط، وفرنسا تواجه الحساب نفسه، فقد تختلف مع لندن صباحاً حول القوارب والمهاجرين، ثم تحتاج إليها مساءً في الردع النووي والدفاع، هذه ليست ازدواجية، إنها السياسة بين دول ناضجة تعرف أن الخلاف لا يلغي المصلحة.
ان الأنغلو - فرنسية لم تكن قصة حب في أفضل مراحلها، وربما لهذا السبب تحديداً تستطيع أن تعمل، فباريس ولندن تعرفان عيوب بعضهما جيداً، ولا تحتاجان إلى اختراع رومانسية جديدة، يكفي أن تنظرا إلى العالم حولهما.
أحياناً يكون أفضل أساس للتحالف ليس أن تحب جارك، بل أن تعرف أن البيت أكثر أمناً حين لا تكون مضطراً إلى حراسته وحدك.