لندن - سدن
لم تعد الحرب على إيران داخل المؤسسة الإسرائيلية مجرد نقاش عسكري حول منشآت نووية أو مخازن يورانيوم، بل تحولت إلى خلاف استراتيجي عميق حول سؤال أكبر بكثير: هل المطلوب إضعاف إيران.. أم إسقاط النظام نفسه؟
وحسب تقارير صحفية إسرائيلية، فداخل تل أبيب، يتبنى الجيش الإسرائيلي مقاربة تقوم على أن الخطر الحقيقي يكمن في البرنامج النووي، وأن أي فرصة عسكرية يجب أن تُستخدم لتدمير اليورانيوم المخصب والبنية التقنية المرتبطة به، باعتبار ذلك “الإنجاز الأعلى” في هذه الحرب. ويرى هذا التيار أن إزالة المواد النووية من الأراضي الإيرانية كفيلة بإعادة عقارب المشروع سنوات إلى الوراء.
لكن داخل الموساد، تبدو النظرة مختلفة تماماً. فهناك قناعة متزايدة بأن المشكلة ليست في اليورانيوم وحده، بل في بقاء النظام نفسه. ويعتقد هذا التيار أن أي اتفاق أو ضربة عسكرية لا تنتهي بإسقاط النظام الإيراني، لن تكون سوى هدنة مؤقتة تسمح لطهران بإعادة بناء مشروعها لاحقاً، خاصة إذا خرجت من الحرب أقل عزلة وأكثر قدرة اقتصادية.
وبحسب هذا التصور، فإن “إيران بلا عقوبات” قد تتحول إلى دولة أكثر ثراءً، وأكثر عدوانية، وأكثر قدرة على تمويل شبكاتها الإقليمية، ما يجعل تغيير النظام الطريق الوحيد لإنهاء التهديد من جذوره، لا تأجيله.
هذا الخلاف انعكس في نقاش افتراضي داخل إسرائيل: ماذا لو منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضوء الأخضر لـ”عملية أخيرة” ضد إيران؟
الإجابة داخل المؤسستين كانت مختلفة تماماً.
فالجيش كان سيدفع فوراً باتجاه استهداف مخزونات اليورانيوم والمنشآت النووية، بينما كان الموساد يميل إلى خيار أكثر راديكالية: ضرب البنية الاقتصادية والطاقة الإيرانية بشكل شامل، لإغراق البلاد في أزمة داخلية تدفع نحو انتفاضة شعبية واسعة.
ويعتقد أنصار هذا الاتجاه أن الإيرانيين تجاوزوا بالفعل مرحلة الغضب من النظام، لكنهم لم يتجاوزوا بعد “جدار الخوف”. ولذلك فإن انهيار الكهرباء والطاقة والاقتصاد قد يكون، برأيهم، العامل الذي يدفع البلاد نحو انفجار داخلي شامل.
وفي موازاة ذلك، كشفت تقارير عن خطة أكثر جرأة كانت تُناقش خلف الكواليس، تقوم على تحريك مجموعات كردية ومسلحة من الأقليات الإيرانية انطلاقاً من الحدود، بالتزامن مع عمليات داخلية تهدف إلى إنهاك “الحرس الثوري” وخلق حالة تمرد متعددة الجبهات.
وتقول هذه الروايات إن الخطة كانت تعتمد على توحيد القوى المناهضة لطهران تحت هدف واحد: إسقاط النظام، مع تعهدات بالحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية وعدم الانزلاق نحو التفكك الكامل.
لكن المشروع، وفق تلك المعطيات، اصطدم بعوامل إقليمية معقدة، أبرزها الموقف التركي الرافض لأي تحرك كردي واسع قرب حدوده، إضافة إلى ضغوط إقليمية أخرى دفعت واشنطن إلى تجميد السيناريو الأكثر تصعيداً.
ومع أن الحديث عن “تفكيك إيران” أو إسقاط النظام لا يزال يبدو أقرب إلى سيناريوهات استخباراتية معقدة منه إلى خطة قابلة للتنفيذ فوراً، إلا أن ما تكشفه هذه النقاشات هو أن الحرب لم تعد تدور فقط حول أجهزة الطرد المركزي، بل حول شكل الشرق الأوسط نفسه… إذا سقطت طهران، أو إذا بقيت أقوى مما كانت عليه قبل الحرب.