سدن - بيروت
تشهد الساحة اللبنانية تحولاً غير مسبوق في طبيعة المواجهة بين الدولة وحزب الله، بعدما انتقلت من التركيز على ملف السلاح وتنفيذ الالتزامات الدولية في الجنوب، إلى معركة أشمل تستهدف البنية المالية واللوجستية للحزب، عبر استعادة السيطرة الكاملة على المطار والمرافئ والمعابر الحدودية، وإغلاق قنوات التهريب والتمويل التي اعتمد عليها لسنوات.
وبحسب مصادر أمنية ورسمية، فإن انتخاب الرئيس جوزيف عون وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام أطلقا مرحلة جديدة تقوم على إعادة فرض سلطة الدولة على جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية، وإنهاء النفوذ الذي تمتع به الحزب داخل هذه المرافق طوال السنوات الماضية.
وأكدت المصادر أن الإجراءات التي نفذت خلال الأشهر الأخيرة تجاوزت الجانب الإداري، لتستهدف مباشرة الشبكات اللوجستية التي كانت تؤمن للحزب حركة الأموال والبضائع، الأمر الذي انعكس بصورة واضحة على قدراته المالية وخطوط إمداده.
انحسار غير مسبوق لنفوذ الحزب
وتشير المعلومات إلى أن نفوذ (حزب الله) داخل المرافئ والمعابر تراجع إلى أدنى مستوياته منذ سنوات، بعد إعادة تنظيم الإدارة الأمنية في هذه المواقع وتشديد الرقابة على حركة الدخول والخروج، وهو ما أدى إلى تقليص هامش الحركة الذي كان يستفيد منه الحزب في نقل البضائع والأموال.
وترى المصادر أن هذا التراجع لم يعد يقتصر على الجانب الأمني، بل بدأ ينعكس على قدرة الحزب في الحفاظ على منظومته المالية واللوجستية التي اعتمدت لعقود على واقع إداري وأمني مختلف.
تقنيات رقابية تغلق أبواب التهريب
وفي إطار هذه الخطة، أدخلت السلطات اللبنانية أجهزة تفتيش متطورة إلى مرفأ بيروت ومطار رفيق الحريري الدولي ومعبر المصنع الحدودي، ما أدى إلى تضييق الخناق على عمليات تهريب الأموال والبضائع والمواد المحظورة.
كما تؤكد المصادر أن المعابر غير الشرعية على الحدود اللبنانية ـ السورية، التي كانت تمثل شرياناً أساسياً للحزب، فقدت معظم فعاليتها بعد تشديد الإجراءات من الجانب السوري بالتوازي مع الرقابة اللبنانية، لتتراجع عمليات العبور غير القانوني إلى مستويات غير مسبوقة.
سقوط النظام السوري.. الضربة الأثقل
وتعتبر المصادر أن التحول الأكبر تمثل في فقدان الحزب العمق اللوجستي الذي وفره النظام السوري السابق، إذ أدى سقوط نظام بشار الأسد إلى إنهاء واحدة من أهم شبكات نقل السلاح والأموال بين إيران ولبنان، وهو ما غير بصورة جذرية خريطة الإمداد التي اعتمد عليها الحزب منذ تأسيسه.
تجفيف منابع التمويل
ولم تتوقف الإجراءات عند مكافحة التهريب، بل امتدت إلى استهداف شبكات التمويل، حيث سجلت الأجهزة المختصة تراجعاً واضحاً في إدخال الأموال النقدية والذهب عبر المطار، إلى جانب انحسار عمليات تهريب الكبتاغون والحشيشة التي كانت تشكل أحد أبرز مصادر تمويل حزب الله وانشطته.
كما شكل قرار السلطات اللبنانية منع الطائرات الإيرانية من الهبوط في مطار رفيق الحريري الدولي ضربة إضافية لقنوات الإمداد، بعدما أغلق أحد أبرز المسارات التي كانت تستخدم لنقل الأموال والمواد الداعمة للحزب.
إعادة هيكلة واسعة وتحقيقات داخلية
وتكشف المصادر أن الدولة اللبنانية نفذت عملية إعادة هيكلة واسعة داخل المؤسسات المشرفة على المرافئ والمعابر، شملت نقل عشرات الموظفين الأمنيين والإداريين الذين كانت تحوم حولهم شبهات الارتباط بشبكات نفوذ الحزب أو تسهيل مرور الشحنات بصورة غير قانونية.
وبالتوازي مع ذلك، باشرت الأجهزة المختصة تحقيقات وملاحقات بحق عدد من الأشخاص المشتبه بتورطهم في تسهيل إدخال بضائع وحقائب أموال ومجوهرات لصالح الحزب، في خطوة تصفها المصادر بأنها جزء من استراتيجية تستهدف تفكيك منظومة النفوذ التي ترسخت داخل المرافق العامة على مدى سنوات.