لندن – سدن
لا يزال الإيرانيون لا يعرفون من أي مكان يدير مرشدهم الجديد البلاد، لكنهم باتوا يعرفون، على الأقل، أسماء الجنرالات الذين اختارهم لإدارة حربها.
فمنذ أن اختفى مجتبى خامنئي عن المشهد العلني، واتخذت السلطات الإيرانية إجراءات أمنية مشددة أحاطت بمكان وجوده، بدا الرجل وكأنه يدير واحدة من أكبر عمليات تغيير القيادة العسكرية في تاريخ الجمهورية الإسلامية من مكان لا يظهر في الصور ولا تصل إليه الكاميرات.
ومن ذلك (السرداب)، أخرج خامنئي، دفعة جديدة من المراسيم أعادت توزيع أهم المناصب في القوات المسلحة والحرس الثوري والباسيج، وشملت ستة من كبار القادة، بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على تغيير أمين المجلس الأعلى للأمن القومي.
وهكذا وجدت إيران نفسها أمام مشهد شديد المفارقة، قائد أعلى غائب عن الأنظار، يعين قادة جدداً لمؤسسات فقدت عدداً من كبار قادتها في الحرب، ويطالبهم بالجاهزية والردع والهجوم، بينما لا يزال هو نفسه محاطاً بإجراءات أمنية تمنع ظهوره العلني.
وبموجب المراسيم، عين علي عبد اللهي رئيساً لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وكيومرث حيدري نائباً له، فيما تسلم أحمد وحيدي القيادة العامة للحرس الثوري مع ترقيته إلى رتبة لواء، وعين مصطفى إيزدي نائباً له.
كما أصبح علي عظمائي قائداً للقوة البحرية في الحرس الثوري، بينما عاد حسين طائب إلى واجهة المؤسسة الأمنية من بوابة رئاسة منظمة الباسيج.
وتكشف سرعة التغييرات وحجمها أن ما يجري يتجاوز حركة تنقلات اعتيادية في المناصب، فطهران تعيد بناء الطبقة العليا من قيادتها العسكرية والأمنية بعدما خسرت عدداً من أبرز قادتها خلال الحرب، فيما تتواصل المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها وتبقى أزمة مضيق هرمز واحدة من أخطر الملفات المفتوحة.
جنرالات جدد مكان جنرالات قتلوا
في مقدمة القرارات، عيّن خامنئي اللواء علي عبد اللهي رئيساً لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، خلفاً لعبد الرحيم موسوي الذي قتل في الحرب.
وطالب المرشد عبد اللهي برفع الجاهزية العسكرية والأمنية، وتحديث قدرات القوات المسلحة والتعبئة الشعبية، والاستعداد لما وصفه المرسوم بمختلف مستويات التهديدات التقليدية والجديدة، بما فيها التهديدات "المعرفية والهجينة".
كما كلفه باستكمال دمج هيئة الأركان العامة ومقر عمليات هيئة الأركان، وهي عملية بدأت في عهد المرشد السابق علي خامنئي.
وفي مرسوم منفصل، عين العميد كيومرث حيدري نائباً لرئيس هيئة الأركان، مع تكليفه بالمشاركة في تطوير القدرات الدفاعية وتعزيز "الروح الجهادية" داخل القوات المسلحة.
لكن المفارقة أن القيادة الإيرانية التي تطلب من جنودها وضباطها رفع "الروح الجهادية" لا تزال شديدة التحفظ في الكشف عن مكان وجود رأس الهرم الذي يصدر هذه التعليمات.
وحيدي يعود إلى الحرس.. ولكن هذه المرة قائداً
أما التغيير الأبرز، فجاء في قيادة الحرس الثوري، حيث عين خامنئي أحمد وحيدي قائداً عاماً خلفاً لمحمد باكبور الذي قتل في الحرب، ومنحه رتبة لواء.
ووصف مرسوم التعيين المرحلة بأنها "مواجهة استراتيجية ومصيرية" مع الولايات المتحدة وحلفائها، وطالب وحيدي برفع قدرات الحرس إلى أقصى درجات الردع والاستعداد لتنفيذ "عمليات هجومية قوية".
ويعد وحيدي واحداً من أقدم رجال المنظومة العسكرية والأمنية الإيرانية، إذ سبق له تولي قيادة (فيلق القدس)، كما شغل منصبي وزير الدفاع ووزير الداخلية، قبل أن تعيده الحرب إلى قمة الهرم العسكري في الحرس الثوري.
وعين اللواء مصطفى إيزدي نائباً للقائد العام، ليحتل الموقع الثاني في التسلسل القيادي للمؤسسة.
وتبدو عودة الأسماء القديمة لملء الفراغات الجديدة لافتة في دولة اعتادت تقديم نفسها باعتبارها صاحبة منظومة قادرة على إنتاج أجيال متعاقبة من القادة، فبعد الخسائر التي أصابت الصفوف العليا، عادت طهران إلى رجال خدموا النظام لعقود، وكأن الجمهورية الإسلامية تبحث في دفاترها القديمة عن رجال قادرين على إدارة أزمتها الجديدة.
هرمز إلى رجل العقوبات
ولم يكن ممكناً أن تمر إعادة الهيكلة من دون أن تصل إلى بحرية الحرس الثوري، القوة التي تمسك بأحد أكثر مفاتيح الأزمة حساسية في الخليج.
فقد عين خامنئي علي عظمائي قائداً للقوة البحرية خلفاً لعلي رضا تنغسيري الذي قتل في الحرب، وأمره برفع مستوى التدريب، وتطوير المعدات والقدرات البحرية والاستخباراتية، وزيادة الاستعداد القتالي، فضلاً عن تعزيز التنسيق مع بحرية الجيش وبقية وحدات الحرس والباسيج.
ويكتسب التعيين أهمية خاصة لأن عظمائي ليس اسماً بعيداً عن ملف مضيق هرمز، فقد شغل منصب نائب قائد القوة البحرية في عهد تنغسيري، كما سبق أن قاد المنطقة الخامسة لبحرية الحرس الثوري، التي يمتد نطاقها العملياتي إلى مناطق استراتيجية في المضيق والسواحل الإيرانية في الخليج.
كما أدرجته وزارة الخزانة الأميركية على قوائم العقوبات عام 2019 ضمن عقوبات استهدفت قيادة الحرس الثوري.
ويأتي تثبيته رسمياً على رأس القوة البحرية في وقت تتفاوض فيه إيران وسلطنة عُمان بشأن ترتيبات جديدة للملاحة في مضيق هرمز، بينما تتمسك طهران بأن أي تفاهم حول مسارات السفن لا يعني إعادة فتح المضيق بصورة كاملة.
حسين طائب.. رجل الاستخبارات يعود من باب الباسيج
وأعاد خامنئي حسين طائب إلى أحد أكثر المواقع حساسية بتعيينه رئيساً لمنظمة الباسيج، خلفاً لغلام رضا سليماني الذي قتل في الحرب.
وطائب ليس اسماً عادياً في المنظومة الأمنية الإيرانية؛ فقد تولى رئاسة جهاز استخبارات الحرس الثوري لأكثر من عقد، وكان أحد أبرز رجال الجهاز الأمني الذي ارتبط بملاحقة المعارضين ومراقبة الداخل الإيراني.
والآن يعود الرجل، لكن عبر مؤسسة تمتلك امتداداً اجتماعياً وأمنياً واسعاً داخل المدن والأحياء والجامعات والمؤسسات.
وطلب خامنئي منه توسيع التعبئة وتعزيز ما وصفه بـ"شبكة الاستخبارات الشعبية"، واستخدام التقنيات الحديثة في مواجهة التهديدات، وزيادة انتشار مجموعات الباسيج بين الفئات المهنية والأحياء، وتوسيع الأنشطة المرتبطة بالمساجد.
والأكثر إثارة أن المرسوم لم يكتفِ بالداخل الإيراني، بل طالب طائب بالعمل على نشر نموذج الباسيج خارج إيران بوصفه نموذجاً لـ"المقاومة والصمود الشعبي".
قبل الجنرالات.. تغيير غرفة الأمن القومي
المراسيم العسكرية لم تأت منفردة، ففي اليوم السابق مباشرة، كان النظام قد أجرى تغييراً آخر في أحد أهم مراكز صناعة القرار، بتعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلاً لخامنئي فيه، خلفاً لمحمد باقر ذو القدر.
وأصبح رضائي بذلك أميناً للمجلس وممثل المرشد داخله، إلى جانب احتفاظه بمنصبه مستشاراً عسكرياً لخامنئي.
وجاء التغيير وسط إقرار الرئيس مسعود بزشكيان بوجود خلافات بشأن ذو القدر، في وقت تتصاعد فيه النقاشات داخل مؤسسات الحكم حول إدارة الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة وشروط إعادة فتح مضيق هرمز.
وكان بزشكيان قد دافع عن دور المجلس الأعلى للأمن القومي في إقرار مذكرة تفاهم إسلام آباد، مؤكداً أن القادة العسكريين والأمنيين شاركوا في مناقشتها، وأن 12 من أصل 13 عضواً في المجلس أيدوها.
لكن تعاقب القرارات خلال ساعات قليلة أعطى الانطباع بأن المسألة أكبر من استبدال مسؤول بآخر، فخلال أقل من يومين، تغير أمين مجلس الأمن القومي، ورئيس هيئة الأركان، ونائبه، والقائد العام للحرس الثوري ونائبه، وقائد بحرية الحرس، ورئيس الباسيج.. إنها عملياً، إعادة تركيب لغرفة القيادة الإيرانية بينما الحرب لم تنته بعد.