في قاعة وير هاوس بمانشستر، شمال أنكلترا يقيم الفنان الصيني آي ويوي معرضا فريدا من نوعه من جهة ضخامته وتنوعه، موادا وتقنيات وأساليب وموضوعات وحكايات. أما لماذا مانشستر فلأنها المدينة التي شهدت ولادة الثورة الصناعية التي بدأت بصناعات النسيج ولذلك سُميت ب"مدينة القطن". وما علاقة كل هذا بمعرض فني؟ كما هي حكاية كل عمل ينفذه الفنان الصيني الذي عُرف بميله إلى الضخامة والكثرة والتكرار فقد بدأت الفكرة من قيامه بشراء أطنان من الأزرار من مصنع انكليزي كان قد أعلن عن إفلاسه. ما الذي سيفعله بتلك الكمية من الأزرار، هل سينشرها على الأرض مثلما فعل ببذور عباد الشمس التي صنعها من الخزف ونثرها في الباحة الداخلية لمتحف "تيت مودرن" قبل سنوات؟ كانت الفكرة مغرية لولا أنه فكر بمفارقة تاريخية مصدرها رغبته بالمقارنة بين واقعين، مانشتر في عصرها الصناعي الذهبي وواقعها الحالي بعد أن أغلقت مصانعها والصين وهي وطن الفنان في ماضيها الكئيب وعصرها المزدهر حيث تحولت إلى معمل العالم. تلك توطئة انتقل الفنان بعدها بذاكرته التاريخية وهو مولع بالحكايات إلى الحملة التي قامت بها القوى المهيمنة على اقتصاد العالم من أجل إجبار الصين على فتح موانئها بعد أن أغلقتها عام 1900. ببساطة قام بتصنيع أعلام بحجم المنازل مخيطة بالأزرار. تُمثل تلك الأعلام تحالف الدول الثماني التي غزت الصين. نسج الفنان سرديات التصنيع والاستعمار والعنف التاريخي في صورة معقدة للتاريخ الحديث. لقد انطوى التاريخ على الكثير من السخرية والعبث. كنت التكلفة باهظة. اندحرت إمبراطوريات حين مزق بعضها البعض الآخر في ما بعد. تبدو الأعلام ثقيلة، يشعر المشاهد بثقلها ويكون لزاما عليه أن يفكر بالتاريخ وضغطه المستمر. وعلى الرغم من خلافه مع النظام الشيوعي الحاكم في الصين فإن آي ويوي لا يُخفي فخره ببلاده التي خرجت منتصرة بطريقة ناعمة.
قنابل في دليل تسوق
يستغرق السفر بالقطار من لندن إلى مانشستر أكثر من ساعتين بقليل ولكن عشرات السنين يمكن أن تمر إذا ما استعان المسافر بذاكرته واخترق الزمن عموديا. لقد كان للكدح الإنساني وجهان، وجه مضيء وآخر مظلم. ومثلما كانت الصناعة التي بدأت في مانشستر نقطة تحول خطير في التاريخ البشري حيث بدأ العصر الصناعي الذي أنهى تدريحيا تقاليد العمل اليدوي فإنها أخفت تحت أقنعتها المتعددة أشباح الموت والعنف والاستغلال والجشع والمعاناة.
أول ما يراه المرء في معرض أي ويوي الذي يستمر حتى نهاية أيلول/ سبتنبر القادم ثريا زجاجية سوداء مصنوعة من هياكل عظمية وجدار مغطى بصورٍ لأقوى القنابل التي اختُرعت وأُستعملت في الحروب من أجل أن تصنع الإمبراطوريات المتعاقبة مجدها الزائل. الاستعمار الذي وهبته المواصلات الحديثة قوة دفع بخاري. "تاريخ القنابل" هو العمل الذي يُغطي الجدار القصير للقاعة المستطيلة بالكامل، وقد جُمع بواسطة متطوعين في مانشستر وحرفيين في الصين. من بعيد، يبدو العرض الأنيق للقنابل الفضية اللامعة على خلفية سوداء داكنة وكأنه مأخوذ من كتالوج تسوق لبضائع تتميز بقسوة جمالها. وإذا ما كان الفنان قد حرص على السماح لزوار معرضه بالاقتراب الشديد من المعروضات فلأنه كان يرغب في أن يفاجئهم بأن ما يرونه ليس صورا بل هو تركيب مصنوعٌ من مكعبات اللعب التي يلهو بها الأطفال. 3.5 مليون مكعب، يبلغ طول كل منها حوالي نصف سنتيمتر، بألوان الأبيض والأسود والرمادي والفضي. استدرج الفنان البراءة إلى الأرض الحرام، تلك المساحة الفاصلة بين الجيوش والتي لا يعود منها أحد. لا يتعلق قصد الفنان بالبشاعة كما ذهب بعض النقاد. استعمال ألعاب الأطفال لبناء عرضٍ للأسلحة كان القصد منه من وجهة نظري شد الانتباه إلى تلك المعادلة التي انطوت على إسعاد الأطفال وقتلهم في الوقت نفسه.
لا ينطوي فن أي ويوي على أية رغبة في التحذير. كل الحكايات التي يرويها تاريخية. لقد حدث كل شيء ولا يمكننا أن نغير شيئا.
شرب فنجان من الشاي
أي ويوي (1957 بكين) هو الأشد شهرة بين الفنانين المعاصرين في العالم وهو كما أتوقع الأكثر ثراء. وإذا ما كان الفنان الذي استدعى اعتقاله في بلاده عام 2011 بتهمة التهرب الضريبي تضامنا عالميا غير مسبوق فإن أسلوبه المكرر في تكبير الأشياء يحظى بمباركة المؤسسات المالية والمالية الداعمة على الرغم من أن هناك أصواتا نقدية قللت من قيمة ذلك الأسلوب الذي اعتبرته محاولة للمزايدة السطحية على موضوعات إنسانية حرجة وفي مقدمتها الهجرة غير الشرعية.
يصطف على الجدار الخلفي للمعرض قارب مطاطي عملاق، طوله 100 متر مليء بشخصياتٍ ترتدي سترات نجاة. هل تظن أنه بإمكانك تجاهل أزمة المهاجرين؟ لا يمكنك فعل ذلك هنا لأن "أي" قد حوّل المآسي اليومية العادية إلى نصب تذكاري. أمضى سنوات في إجراء مقابلات مع مئات اللاجئين، والتقى بأناس يتوقون إلى الأمان وحياة جديدة وأنتج كمّاً هائلاً من الأعمال حول هذا الموضوع. هذا العمل هو تتويجٌ لذلك المشروع. هل هو عمل فني جميل؟ ليس تماماً، غير أنه يُوصل رسالة، أنا غير متأكد من أنها ستؤثر في القرار السياسي لدول اللجوء. ولكن المشكلة الأكثر تعقيدا تكمن في أنه لا جديد في الفكرة. سبق للفنان أن اشترى آلاف الأحذية من محلات الألبسة المستعملة وصنع منها عملا فنيا يؤرخ للحظة التي تسبق الذهاب إلى القوارب المطاطية ومن ثم إلى البحر. كما أن قوارب المهاجرين المطاطية قد تم استعمالها من قبل عشرات الفنانين المعاصرين.
يحق لأي ويوي ما لا يحق لسواه. ذلك منطق غير سوي.
ولكن أي ويوي وهو المولع بالتاريخ الصيني لا يزال يدهشنا حين بكتفى بصينيته. فالعمل الأكثر إبهارًا من الناحية البصرية في المعرض هو قاعة عائلة وانغ وهو معبد حقيقي وُجد على وشك الانهيار في ريف جيانغشي وأُعيد تجميعه هنا قطعةً قطعة. إنه نافذة شاهقة على الماضي، على قيم ضائعة، على زمن ما قبل التصنيع والرأسمالية الجامحة، حين كانت الصين ضعيفة وعرضة للهجوم. تحت أعمدة المعبد توجد صناديق تحوي صفحات من التاريخ الصيني، روايات خفية يصعب الوصول إليها.
في وسط المعبد تستقر ثلاث بيوت دمى على طبقة من نشارة الخشب البنية. جميعها مصنوعة من شاي بو إر، أوراق داكنة مضغوطة تزداد قيمتها مع مرور الوقت وتخميرها. إنها رموز للثقافة الصينية، للتكاتف والتضامن والقيم الطاوية، ولكنها أيضاً رمز للثروة وتراكمها. "شرب فنجان من الشاي" مصطلح بوليسي شيوعي هو عبارة عن تسمية مجازية لعملية اقتياد الناس للاستجواب من قبل الشرطة الصينية. إنه أفضل عمل هنا بلا منازع، مليء بدلالات متضاربة وجذابة من الماضي والحاضر، مُجمّعة في شيء جميل، عطري ورمزي بقوة. مادة بسيطة تحولت إلى شيء قوي بتأثيره وعاصف في استعادته للتاريخ لما ينطوي عليه من توظيف للكنوز التراثية في فضح عملية القمع السياسي.
سخرية من التاريخ ونصيحة العولمة
يلجأ أي ويوي في هذا المعرض ولأول مرة إلى إستعارة أعمال فنية عالمية ذات جمالية عالية ليوظفها في خدمة أفكاره التي تتوزع بين السخرية والتوضيح المبسط، كما لو أنه يريد أن يؤكد المقولة التي تفيد بأن التاريخ يمكن أن يتكرر لكن بصيغة كوميدية أو عبثية أو فارغة من المحتوى. يأخذ الفنان لوحة الفرنسي جاك لويس دافيد الشهيرة التي تصور نابليون ممتطيا حصانه، ويستبدل الحصان بحمار وحشي ويعلقها رأسًا على عقب من أجل بناء علاقة رمزية سلبية. في عمل آخر يضع قوارب المهاجرين على موجة الرسام الياباني هوكوساي التي تعود إلى عام 1832. في العملين اللذين لم يحضيا بإعجاب النقاد يبدو أي ويوي مخلصا لفكرته. كل ما يحدث اليوم يمكن فهمه بالعودة إلى الماضي.
يُسلّط الفنان والناشط العالمي الشهير آي ويوي الضوء على تاريخ العالم خلال المئتي عام الماضية من خلال هذا المعرض الجديد الضخم كما أنه يستفيد من كون المدينة التي تحتضن معرضه كانت قلب الثورة الصناعية لينقب فى تفاصيل العلاقة الشائكة والملتبسة بين بريطانيا والصين. ذلك ما لا يمكن توقعه من فنان. ليست وظيفة الفنان أن يكون مؤرخا أو ناقدا أومحللا سياسيا ولكن تلك الاعتراضات المحقة لن يكون في إمكانها أن تهدم أسطورة الفنان القائمة على الإبهار. فمن خلال لجوئه إلى استعمال تقنيات ومواد مختلفة، الخزف والتركيب والقطن والخشب والزجاج والبرونز والصور القديمة وحتى الأزرار ومكعبات اللعب عاد بنا إلى بداهة منسية. كل مادة تحمل قصة من قصص الإبداع والاستهلاك البشري. ترسم هذه المواد مجتمعةً صورةً للعولمة التي نعيشها في عالمنا الرقمي.