لندن - سدن
يخرج المسافر من محطة Clapham South اليوم إلى شارع مزدحم بالحافلات والمقاهي والسوبرماركت والبيوت اللندنية المتراصة، وقد لا يخطر له أن تحت قدميه، أعمق من الأرصفة والأنفاق التي يعرفها ملايين ركاب Northern Line، حيث توجد بقايا مدينة مؤقتة بنيت في زمن كان سكان لندن لا يعرفون إن كان سيخرج عليهم يوم آخر، وهي شبكة من الملاجئ العميقة التي حفرت خلال الحرب العالمية الثانية لتستوعب أكثر من ثمانية آلاف شخص، وتضم أسرة ومرافق طبية وحانوتاً وممرات تمتد تحت الأرض، بحيث لم يكن المكان مجرد حفرة يختبئ فيها الناس من الغارات، بل محاولة هندسية لتنظيم حياة كاملة تحت مدينة كانت تتعرض للهجوم من السماء.
وقد أعاد موقع Secret London، هذا العام تسليط الضوء على الموقع بمناسبة مرور مئة عام على افتتاح محطة Clapham South نفسها عام 1926، مشيراً إلى أن الملجأ الممتد لنحو ميل واحد كان واحداً من ثمانية ملاجئ عميقة شيدت تحت لندن، فيما ينظم متحف المواصلات اللندنية (London Transport Museum) جولات في أجزاء من هذه الشبكة ضمن برنامج Hidden London.
والقصة تبدأ قبل الحرب، لأن محطة Clapham South نفسها تنتمي إلى لحظة كانت لندن تتوسع فيها جنوباً وتعيد تشكيل العلاقة بين مركز المدينة وضواحيها، وقد افتتحت في 13 سبتمبر 1926 ضمن امتداد Morden للخط الذي أصبح لاحقاً Northern Line، وصممها تشارلز هولدن، أحد أهم الأسماء التي تركت بصمتها على عمارة النقل في لندن.
وكانت المحطة جزءاً من فكرة أوسع ترى أن المترو لا ينقل السكان داخل المدينة القائمة فقط، بل يصنع المدينة التي ستأتي، فحين يصل الخط إلى منطقة جديدة يصبح السكن فيها ممكناً للموظف الذي يعمل في المركز، ثم تأتي المتاجر والمدارس والطرق وترتفع قيمة الأرض، وهكذا كانت شبكة الانفاق طوال تاريخها، آلة عمرانية بقدر ما كانت وسيلة نقل.
لكن الحرب غيرت وظيفة الأرض تحت لندن، فالمكان الذي حفر كي تتحرك المدينة خلاله أصبح أيضاً المكان الذي تختبئ فيه كي تبقى حية، وبعد بدء الغارات الألمانية وظهور الحاجة إلى حماية أعمق من محطات المترو العادية، شيدت ثمانية ملاجئ عميقة في مواقع شملت Clapham South وClapham Common وClapham North وStockwell وGoodge Street وCamden Town وBelsize Park وChancery Lane، وكان التصميم يقوم على أنفاق عميقة تستطيع استيعاب آلاف الأشخاص، وقد أُنشئت في بعضها مرافق تجعل البقاء لساعات طويلة ممكناً، لأن الغارة لم تكن حدثاً سريعاً يهبط الناس خلاله إلى الأرض ثم يعودون فوراً إلى منازلهم.
واللافت في هذه الملاجئ، أن هندستها تكشف شيئاً من الشخصية البيروقراطية للمدينة حتى في لحظة الخوف، فحين تجمع آلاف الأشخاص تحت الأرض لا يكفي أن توفر لهم جداراً سميكاً، بل تحتاج إلى نظام للدخول والخروج، وإلى أسرة وماء وهواء وإضاءة ومرافق صحية ورعاية طبية، وإلى قواعد تمنع الفوضى، أي أن الملجأ يصبح نموذجاً مصغراً من الدولة الحديثة التي تحاول إدارة الخطر من خلال التنظيم.
وفي الصور والآثار الباقية لا يبدو المكان رومانسياً، وهو لم يكن كذلك، فالنوم في أنفاق عميقة وسط غرباء بينما تهتز المدينة فوقك ليس تجربة سياحية، لكن المسافة الزمنية حولت المكان إلى سجل مادي لذاكرة يصعب تخيلها لمن يعرف لندن اليوم مدينة آمنة ومضيئة حتى منتصف الليل.
وهنا تكمن قيمة الأماكن المخفية في لندن، فهي تعيد طبقات الزمن إلى مدينة تميل الحياة اليومية فيها إلى تسطيح التاريخ، إذ يمر الراكب بمحطة بنيت قبل قرن، ويستخدم سلماً أو ممراً مر عليه ملايين الأشخاص، لكنه يراها بوصفها جزءاً من الطريق إلى العمل، بينما تختفي القصص تحت وظيفة المكان الحالية.
ولندن بصورة خاصة مدينة متعددة الطبقات بهذا المعنى، فالطريق الروماني قد يكون تحت شارع حديث، والنهر القديم يجري داخل قناة تحت الإسفلت، ومحطة مهجورة تختبئ خلف جدار يراه الركاب كل صباح، وملجأ حرب يوجد تحت محطة لا يعرف كثير من مستخدميها أن هناك عالماً آخر أسفل العالم الذي يستخدمونه.
وبعد الحرب لم تنته حياة ملاجئ Clapham South، فقد استخدمت المساحات في أغراض مختلفة، وهو ما يضيف إلى القصة بعداً مهماً، فالبنية التحتية الضخمة نادراً ما تبقى مرتبطة بالسبب الأول الذي أنشئت من أجله، والمدينة العملية تعيد توظيف فراغاتها باستمرار، وهذه واحدة من خصائص لندن التي تجعل تاريخها العمراني ممتعاً، حيث المبنى لا يموت حين تنتهي وظيفته الأولى، بل يتحول إلى شيء آخر، والمستودع الفيكتوري يصبح شقة، ومحطة القطار تصبح مطعماً، ومحطة الطاقة تصبح متحفاً، والنفق العسكري يصبح أرشيفاً وجولة تاريخية.
كما أن الملاجئ تضع تاريخ الانفاق نفسها في منظور مختلف، فالمترو اللندني الذي بدأ في القرن التاسع عشر بوصفه حلاً للازدحام أصبح خلال الحرب جزءاً من منظومة الدفاع المدني، ثم عاد بعد الحرب ليصبح شريان المدينة اليومي، ومن هنا فإن الشبكة ليست مجرد قطارات وخريطة ملونة، بل سجل للتغير الاجتماعي والسياسي والتكنولوجي في لندن.
ويمكن قول الشيء نفسه عن محطة Baker Street التي افتتحت ضمن أول خط مترو في العالم عام 1863، وهي قصة أخرى أعاد Secret London إبرازها هذا العام، إذ إن الرحلة التي كانت تستغرق زمناً طويلاً فوق شوارع لندن الفيكتورية أصبحت أسرع تحت الأرض، لتولد فكرة ستنسخها مدن العالم لاحقاً.
لكن Clapham South تختلف لأن الأرض فيها لم تستخدم للهروب من ازدحام المدينة فقط، وإنما من الحرب أيضاً، وهذا يمنحها ثقلاً إنسانياً لا يظهر في العمارة وحدها، بحيث يمكن تخيل آلاف الأشخاص ينزلون ليلاً حاملين أطفالهم وأغطيتهم، فيما تبقى البيوت والمحال فوقهم معرضة للقصف، ثم يخرجون في الصباح ليروا ما بقي، وهي تجربة صنعت جيلاً كاملاً من اللندنيين وتركت في ثقافة المدينة مفردات عن الصمود والانضباط والحياة اليومية أثناء الحرب، وإن كانت الذاكرة العامة اللاحقة قد حولت «روح الـBlitz» أحياناً إلى أسطورة أكثر ترتيباً مما كانت عليه التجربة الحقيقية، التي تضمنت الخوف والتعب وعدم المساواة أيضاً.
فحتى الملجأ يطرح سؤال الطبقة، إذ لم يكن جميع اللندنيين يملكون الحماية نفسها، ولم تكن كل المنازل متساوية في قدرتها على تحمل القصف، كما أن الأحياء الفقيرة والمكتظة تحملت أعباء كبيرة، ولذلك ينبغي ألا يتحول استذكار الملاجئ إلى قصة مريحة عن وحدة الجميع فقط، بل إلى فهم لكيفية توزيع الخطر في المدينة، وهذا درس لا يزال معاصراً، فالكوارث والأزمات تبدو عامة لكنها لا تقع بالتساوي، سواء كانت حرباً أو موجة حر أو وباء، لأن قدرة الإنسان على حماية نفسه تعتمد دائماً جزئياً على المنزل والدخل والمكان والخدمات.
واليوم.. يمكن للزائر أن ينزل في جولات منظمة إلى أجزاء من هذه المساحات، لكن القيمة الحقيقية ليست في سر المكان وحده، وإنما في أن النزول يغير الطريقة التي يرى بها المدينة بعد الصعود، إذ تصبح محطة المترو العادية جزءاً من تاريخ أطول، ويصبح الرصيف الذي ينتظر عليه القطار سقفاً لذاكرة أخرى، وهذه هي قوة لندن الخفية، لأن أسرارها ليست دائماً مباني جميلة خلف أبواب مغلقة، بل وظائف سابقة مختبئة داخل الأماكن التي ما تزال تعمل.
وعندما يخرج المرء من Clapham South إلى ضوء الشارع، تبدو لندن فوق الأرض كما كانت قبل ساعة، لكن معرفته بما تحتها تغيرها قليلاً، فالمدينة ليست ما نراه فقط، وإنما كل ما اضطرت إلى بنائه كي تستمر، ومن بين تلك الأشياء مدينة نوم كاملة حفرتها في باطنها عندما أصبح سطحها خطراً.
وبعد ثمانين عاماً من انتهاء الحرب، ما تزال الأنفاق هناك، دليلاً على أن تاريخ المدن الكبرى لا يكتب كله فوق الأرض، وأن بعض أكثر صفحات لندن إنسانية بقيت محفوظة في المكان الذي نزل إليه الناس ذات ليلة كي يضمنوا أنهم سيصعدون في الصباح.