مداد

هنري ماتيس شرب القهوة عندي وترك لوحته هديّة

15 سبتمبر 2026
هنري ماتيس شرب القهوة عندي وترك لوحته هديّة

في الصباحات اللبنانيّة المريضة، لا بدّ من العثور على "طريقة" لمغالبة الموت العميم، بتفاصيل ضئيلة تخلو من أخبار الاستعراض والرياء والإرهاب والسلاح والسرقة والفساد والبلطجة، وهي "جوهر" حياتنا اليوميّة.

يقول القائل: الطريقة بسيطة، هاكم إيّاها: بالصمت المتواضع أحضّرُ قهوتي على نارٍ صابرة، ثمّ أجعل الركوة والفنجان على صينيّةٍ من نحاسٍ أنيق كنتُ اشتريتُها من أحد أسواق بغداد العتيقة، في آخر الثمانينات. ثمّ ألتقط صورةً وأُرسِلها إلى جلسائي الصباحيّين، فأتقاسم قهوتي وإيّاهم. لا أجمّل المشهد، ولا أُدخِل عليه أيّ تحسين، لكنّي أحاول اختراعه، كلّ مرّة، بعفويّة البداهة الإنسانيّة والشعريّة، مضفيًا عليه نكهةً ما، توازي نكهة اختراع الحياة والشعر نفسيهما.

هذا الصباح، أجلستُ الصينيّة في موضعٍ يطلّ على "طبيعةٍ ميتة"، هي ترجمةٌ حرفيّة لعبارة nature morte   في لغة الرسّامين.

ينطوي هذا "الطقس" الصباحيّ على عيشِ لحظةٍ فالتة خارج الوقت، خارج الزمان اللبنانيّ المهيض، ومحرّرة من ربقة المكان العموميّ الخارجيّ، همومه ومآسيه.

لولا مثل هذه اللحظة، وما يوازيها، يقول القائل، ما كان لأيِّ كائنٍ بصير أنْ يظلّ ماثلًا بمناعته الروحيّة والجسديّة، شاهدًا على المقتلة الوحشيّة، مُحبِّرًا إيّاها بالوجود النظيف، وبالخافق، وبالشعر، أو بأيِّ وسيلةٍ مماثلة.

تتمّة موضوع هذا المقال، هي في مكانٍ آخر تمامًا. فقد حصل أنّ صديقًا، وهو رسّام راسخٌ في المشهد التشكيليّ، "صادَرَ" صورة القهوة، وحوّلها في مختبر ذكائه الاصطناعيّ إلى عملٍ "ماتيسيّ" ينطوي على تجرّؤٍ لونيّ فذٍّ وفانتازيا أسلوبيّة ونزواتٍ تشكيليّة لامبالية. بدليل أنّي حظيتُ بدل الصورة الفوتوغرافيّة بلوحةٍ (افتراضيّة) لهنري ماتيس، لا يتردّد المرء في إدراجها ضمن خزانته الفنيّة الخالدة.

بعد تأمّل الصورة الأصليّة واللوحة المولَّدة، رأيتُ أنّ الفارق لا يكمن في الموضوع، بل في طبيعة النظر إليه. إذ تكشف الصورة عن اقتصادٍ بصريٍّ لافت، بحيث أنّ قيمتها تنبع من عفويّتها ومن غياب أيِّ رغبةٍ ظاهرة في صناعة الجمال؛ هي صورةُ لحظةٍ معيشة تحتفظ بشيءٍ من الصدق اليوميّ النادر، وبأنّ صاحبها لا يعرض مشهدًا بل يشارك جزءًا من إيقاع حياته.

أمّا اللوحة المولَّدة فتنقل المشهد من حيّز العيش إلى حيّز التشكيل. تخفّف سلطة الأشياء الواقعيّة لمصلحة العلاقات اللونيّة والإيقاعات البصريّة. لا تعود الركوة مركز الاهتمام بوصفها أداةً للقهوة، بل بوصفها كتلةً داخل بناءٍ تشكيليٍّ أوسع. كذلك تتحرّر النباتات والفراغات والسطوح من وظائفها اليوميّة لتدخل في لعبة اللون والضوء.

التحويل لا يلغي روح المشهد الأصليّ، بل يكشف إمكاناته الكامنة. فكأنّ اللوحة تقول إنّ ثمّة في أكثر اللحظات تواضعًا، قابليّةً لأن تصبح فنًّا، وحياةً مضادّةً للسائد الجائر. تنشأ بين الصورة واللوحة علاقةٌ جميلة: الأولى تحفظ حقيقة اللحظة، والثانية تستخرج شِعرها الخفيّ. الأولى شهادةٌ على حياةٍ تُعاش، والثانية تأويلٌ جماليّ لهذه الحياة نفسها.

ما يلفت، ليس نجاح اللوحة في استنساخ أسلوب ماتيس فحسب، بل قدرتها على استعادة أحد أسرار نظرته إلى العالم. فالمشهد المنزليّ المتواضع يتحوّل إلى احتفالٍ لونيٍّ صاخب، حيث تتراجع أهميّة الأشياء لمصلحة العلاقات القائمة بينها. لا تعود الصينيّة والركوة والفنجان موضوعاتٍ مستقلّة، بل عناصر في أوركسترا من الألوان والخطوط والمساحات. كذلك تبدو الجرأة اللونيّة متحرّرةً من التزام الواقع البصريّ، على نحوٍ يذكّر بماتيس الذي كان يرى أنّ الحقيقة الفنّيّة أعمق من الحقيقة المرئيّة. والنتيجة أنّ المشهد اليوميّ يكتسب خفّةً وحسًّا احتفاليًّا أريستوقراطيًّا، هي من أكثر السمات الماتيسيّة أصالةً وفرادة.

طريقة متواضعة، يقول القائل، لبدء النهار، ومواصلة الحياة بقليلٍ من كرامة.

شارك المقال f 𝕏 in