بغداد – سدن
كشف مصدر سياسي مطلع أن رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف سيترأس وفداً رفيع المستوى يزور العاصمة العراقية لإجراء مباحثات مع مسؤولين وشخصيات سياسية، تتناول ملفات سياسية وأمنية واقتصادية، في مقدمتها السماح بمرور النفط العراقي عبر مضيق هرمز، وملف حصر سلاح الفصائل ونقل موقف الحكومة الإيرانية من الإجراءات التي تتخذها بغداد بهذا الاتجاه.
وتكتسب زيارة قاليباف أهمية مضاعفة لكونها تأتي بعد وقت قصير من زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى العراق، والتي كشفت عن استمرار التباعد بين بغداد وطهران حيال مستقبل سلاح الفصائل، بعدما تمسكت إيران بعدم تسليم حلفائها أسلحتهم في المرحلة الحالية، في مقابل إصرار الزيدي على المضي في مشروع حصر السلاح وإنهاء وجود أي قوة مسلحة تعمل خارج سلطة الدولة.
ويشير انتقال الملف سريعاً من قاآني إلى قاليباف إلى أن طهران لم تغلق باب التفاوض مع بغداد، وأنها تحاول التعامل مع المرحلة الجديدة عبر مستوى سياسي رسمي أعلى، بدلاً من إبقاء القضية ضمن القنوات التقليدية التي تربط الحرس الثوري بالفصائل العراقية.
ولا يمكن فصل اختيار قاليباف عن خلفيته داخل النظام الإيراني، فرئيس مجلس الشورى الحالي أمضى سنوات طويلة في المؤسسات العسكرية والأمنية، وتولى مواقع قيادية في الحرس الثوري قبل انتقاله إلى العمل السياسي، ما يجعله شخصية قادرة على مخاطبة الفصائل من داخل البيئة التي تعرفها، وفي الوقت نفسه التفاوض مع الحكومة العراقية بصفته واحداً من أبرز مسؤولي الدولة الإيرانية.
وتضع طبيعة الزيارة احتمالين أمام التحرك الإيراني الجديد، أولهما أن يحمل قاليباف موقفاً أكثر صرامة تجاه توجهات الزيدي، وتحذيراً من الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع الفصائل أو محاولة نزع أسلحتها بالقوة، خصوصاً بعد ارتفاع لهجة قوى مقربة من طهران خلال الأيام الماضية ضد إجراءات الحكومة.
أما المسار الآخر، فيتمثل في محاولة البحث عن صيغة إيرانية تسمح بإنهاء أزمة السلاح من دون إظهار الفصائل وكأنها تعرضت للهزيمة أو أُجبرت على الاستسلام أمام الحكومة.
وفي هذه الحالة، يمكن أن تتحول المفاوضات من الاعتراض على مبدأ حصر السلاح نفسه إلى البحث في آليات تنفيذه، سواء عبر تسليم السلاح الثقيل والمتوسط، أو وضع جزء من الترسانة تحت إشراف المؤسسات الرسمية، أو إعادة تنظيم بعض التشكيلات، أو الاتفاق على مراحل وجدول زمني يمنع الانتقال المفاجئ إلى مواجهة بين الدولة والفصائل.
وتبدو هذه الصيغة أكثر قابلية للتداول بالنسبة إلى طهران إذا كانت قد وصلت إلى قناعة بأن منع مشروع الزيدي بالكامل لم يعد ممكناً، وأن الحفاظ على نفوذها داخل العراق قد يتطلب المساهمة في إعادة ترتيب وضع حلفائها بدلاً من الدخول في مواجهة مفتوحة مع الدولة.
وفي المقابل، يحمل إدراج ملف سلاح الفصائل ضمن مباحثات رئيس مجلس الشورى الإيراني حساسية سياسية وسيادية واضحة، باعتباره ملفاً عراقياً داخلياً يتعلق باحتكار الدولة للقوة المسلحة وتطبيق قوانينها داخل أراضيها.
وتأتي الزيارة أيضاً وسط تصاعد التوتر بين الزيدي وقوى داخل الإطار التنسيقي بشأن هذا الملف، بعدما برزت خلال الأيام الماضية مواقف تحذر رئيس الوزراء من استخدام القوة، وتعتبر الاندفاع نحو حصر السلاح استجابة للضغوط الأميركية.
وستحدد نتائج الزيارة الاتجاه الذي اختارته إيران للمرحلة المقبلة، فأي مرونة تظهر في مواقف الفصائل بعد مغادرة قاليباف ستشير إلى تقدم مسار التسوية وإلى قبول طهران بمناقشة آليات حصر السلاح، بينما سيعني تصاعد الضغط السياسي والتحذيرات ضد الزيدي أن الوفد الإيراني جاء لتثبيت موقف الرفض ومحاولة إبطاء المشروع العراقي.
وفي الحالتين، تبدو زيارة قاليباف مختلفة عن زيارة قاآني، فالأولى حملت موقف المؤسسة العسكرية الإيرانية وعلاقتها التاريخية بالفصائل، فيما تأتي الثانية عبر واجهة سياسية رسمية للدولة الإيرانية، في مؤشر إلى أن ملف سلاح الفصائل انتقل من مرحلة الرسائل غير المعلنة إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في الحوار المباشر بين بغداد وطهران.