مآل

وسام البارزاني..
ادانة صامتة لطبقة سياسية كاملة

21 أغسطس 2026
وسام البارزاني..
ادانة صامتة لطبقة سياسية كاملة

محمد الصالح 

يمكن الاختلاف مع الرئيس مسعود بارزاني سياسياً، وانتقاد تجربته في الحكم، ومناقشة علاقته ببغداد أو خصومه داخل البيت الكوردي، فهذا كله جزء طبيعي في السياسة، ولا يوجد سياسي كبير أمضى عقوداً في قلب الأحداث من دون أخطاء أو خصومات.

لكن ثمة معياراً آخر للحكم على الزعماء لا يظهر في صناديق الاقتراع وحدها، مفاده كيف يتصرفون حين تصبح جماعة أضعف منهم تحت سلطتهم أو في جوارهم؟

وفي السنوات التي اجتاح فيها تنظيم داعش والمليشيات الشيعية مدناً عراقية، وأصبحت الهوية الدينية والطائفية والقومية سبباً كافياً للقتل أو السبي أو التهجير، تحولت كوردستان إلى ملاذ لمئات الآلاف من العرب السنة والمسيحيين والإيزيديين وغيرهم من النازحين.

ولم تكن التجربة مثالية بالكامل، ولم تكن حكومة الإقليم وحدها صاحبة الفضل، لكن حقيقة أن أربيل ومدناً كوردستانية أخرى بقيت مساحة يستطيع فيها المختلف دينياً وقومياً أن يعيش بأمان لا يمكن حذفها من سجل تلك المرحلة.

ولهذا، فمن الصعب النظر إلى الوسام الذي منحه بابا الفاتيكان لمسعود بارزاني باعتباره خبراً بروتوكولياً عادياً، فالمسألة لا تتعلق بقطعة معدنية تزين صدر زعيم سياسي، بقدر ما تتعلق بالجهة التي تمنحها، والسبب الذي منحت من أجله، والأهم من ذلك كله: البلد الذي يأتي منه الرجل الذي يتلقاها.

فالعراق، لا يقدم منذ سنوات صورة جذابة عن طبقته السياسية إلى العالم، وحين تذكر السياسة العراقية في الخارج، كثيراً ما تحضر معها مفردات الفساد والمحاصصة والميليشيات والمال العام المنهوب والصراعات، ووسط هذه الصورة، يأتي خبر مختلف، بابا الفاتيكان يمنح مسعود بارزاني وساماً رفيعاً، تقديراً لدوره في تعزيز السلام والتعايش وحماية المسيحيين والمكونات القومية والدينية الأخرى.

فالوسام لم يأت من مؤسسة حزبية كوردية، ولا من حكومة تربطها بأربيل مصالح سياسية، ولا من جهة تريد مجاملة بارزاني، إنه تكريم من الفاتيكان، المؤسسة التي تمثل بالنسبة إلى مئات الملايين حول العالم مرجعية دينية وأخلاقية، وجاء بناء على طلب الكاردينال لويس روفائيل ساكو الذي عاش بنفسه واحدة من أكثر المراحل قسوة على المسيحيين العراقيين، وهذا يمنح الوسام معنى يتجاوز صاحبه، وهنا ربما تكون قيمة وسام الفاتيكان الحقيقية، ليس لأنه يجعل مسعود بارزاني فوق النقد، ولا لأنه يمحو أخطاء عقود من السياسة، وإنما لأنه يذكر بمعيار يبدو بسيطاً ونادراً في آن واحد، مفاده ماذا يقول الآخرون عنك عندما لا يحتاجون منك شيئاً؟

أن مشهد تكريم الرئيس مسعود بارزاني من أعلى مرجعية مسيحية في العالم يضع سؤالاً أمام الطبقة السياسية العراقية، بماذا تريدون أن يتذكركم الناس عندما تنتهي السلطة؟

فالسلطة تزول، والمناصب تتغير، والحراسات تنصرف، والصور الرسمية تنزل عن الجدران، وحتى الخصومات التي تبدو اليوم أبدية تصبح بعد سنوات بضعة أسطر في كتب التاريخ.. وما يبقى هو السيرة.

إن الوسام الذي وضع على صدر بارزاني لم يكن تكريماً لرجل بل إدانة صامتة لنموذج كامل من السياسة العراقية.

ففي النهاية، ليست قيمة السياسي في مقدار ما جمعه عندما كان قوياً، بل في عدد الذين يتذكرون أنه لم يستخدم قوته ضدهم عندما كانوا ضعفاء.

وبعد أكثر من ستة عقود في السياسة، لا يزال بارزاني يذكر لدى قطاع من العرب السنة والمسيحيين والإيزيديين وغيرهم بوصفه زعيماً وفر لهم مساحة للحماية حين كانت المنطقة تضيق بهم.

شارك المقال f 𝕏 in