محمد الصالح
طويلاً، راهنت المملكة العربية السعودية على الصبر.. أنه ليس صبر العاجز، بل صبر دولة تعرف وزنها، وتدرك ان القوة ليست في استخدامها عند كل استفزاز، بل في معرفة متى تضبط، ومتى تطلق.
والمملكة، بثقلها العربي والإسلامي، ومكانتها الاقتصادية والسياسية، لا تحتاج الى أثبات قوتها بصاروخ هنا او غارة هناك.. لهذا تركت الرياض أبواب السياسة مواربة، ومنحت التهدئة فرصاً كثيرة، وتحملت استفزازات الحوثيين على حدودها وفي البحر الأحمر، لكن الحوثيين قرأوا الصبر السعودي بطريقة أخرى.
فكلما تأخرت الرياض عن الرد، تقدموا خطوة، وكلما مدت السياسة يدها، رفعوا سقف المغامرة، حتى وصلت جرائمهم إلى أخطر نقطة يمكن أن يبلغها هذا العبث.. الى مكة والمدينة.
هنا لم تعد المسألة منشأة نفطية، أو موقعاً عسكرياً، أو حدوداً متنازعاً عليها، فحين تدخل المدينتان المقدستان في دائرة الصواريخ والمسيرات، ولو في محاولة فاشلة، يصبح السؤال أكبر من حسابات الجبهات.
وفي التاريخ العربي والإسلامي صورة لا تغيب عن الذاكرة، فقد جاء أبرهة بفيله يريد مكة، فعاد جيشه قصة تتلى إلى يومنا هذا..
وليس في الكلام، بطبيعة الحال، تشبيه بين الله جل جلاله وعبده، ولا بين القدرة الإلهية وفعل البشر، وإنما استدعاء لمعنى يعرفه العرب جيداً، ان لمكة حرمة، وللحرم حدود، ومن يستهين بهما يفتح على نفسه باباً لا يعرف كيف يغلقه.
واليوم.. تبدو المملكة العربية السعودية وكأنها تقول، إن زمن الصبر الطويل يقترب من نهايته.
فالمملكة لم تذهب إلى اليمن باحثة عن حرب جديدة لم تكن محتاجة إليها، لكنها حين ترى الصواريخ والمسيرات تقترب من مكة والمدينة، وحين تتحول التهدئة في عقل خصمها إلى علامة ضعف، فإن المعادلة تتغير، ولقد بالغ الحوثيون في اختبار الصبر السعودي، حتى أوشكوا أن يحولوا الصبر من سياسة احتواء إلى قرار مواجهة.
وإذا كانت صنعاء تسمع اليوم هدير الطائرات، فإن الرسالة التي تريد الرياض إيصالها تبدو واضحة، فقد كان أمام الحوثيين وقت طويل لكي يفهموا معنى الصبر.. وربما حان الوقت ليفهموا معنى نهايته.