كررنا مرارا أن فتوى الجهاد الكفائي، التي أصدرها المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني في 13 حزيران 2014، إنما نصت على أن «المواطنين الذين يتمكنون من حمل السلاح ومقاتلة الإرهابيين دفاعا عن بلادهم وشعبهم ومقدساتهم عليهم التطوع للانخراط في القوات الأمنية». لكن الفاعلين السياسيين الشيعة، وبإيعاز إيراني، دلسوا على هذه الفتوى واستخدموها لغرض شرعنة ميليشيات كانت في الأساس، فاعلة على الأرض قبل سيطرة تنظيم الدولة/ داعش على الموصل، فضلا عن صناعة ميليشيات أخرى (كان أول ظهور لهذه الميليشيات في سوريا بين كانون الثاني وحزيران 2013).
ورغم محاولات السيد السيستاني أكثر من مرة في خطب الجمعة، وفقا للوثائق، التأكيد على مضمون فتواه ومطالبته بإيقاف تحريفها، بل واستخدامه بشكل صريح لمصطلح الميليشيات لتوصيف ما يجري، لكن الفاعلين السياسيين الشيعة لم يلتفتوا للأمر، واستمروا في استخدام الفتوى بما يوافق أهدافهم (في خطبة الجمعة 20 حزيران 2014، أي في أول جمعة بعد الخطبة التي تضمنت الفتوى، كان هناك تأكيد على أن الفتوى «إنما كانت للتطوع في القوات الأمنية الرسمية وليس تشكيل ميليشيات مسلحة خارج إطار القانون»).
ولكن السيد السيستاني اضطر في النهاية للقبول بالأمر الواقع الذي فرضه الفاعلون السياسيون الشيعة، فلزم الصمت تجاه السردية المزيفة التي سوّقت بمنهجية واضحة أن هذه الميليشيات التي تشكلت تحت مسمى «الحشد الشعبي»، هي نتاج تلك الفتوى، وصولا إلى توصيف تلك الميليشيات بالمقدسة! صحيح أن السيد السيستاني لم يستخدم مطلقا، حتى اليوم، توصيف «الحشد الشعبي»، لكن إشاراته المتكررة إلى «المتطوعين» كانت تمنح الشرعية لتلك الميليشيات ضمنا! ففي اللقاء الذي جمع رئيس مجلس الوزراء العراقي بالسيد السيستاني بتاريخ 21 تشرين الأول 2014، دعا الأخير إلى «الاهتمام بالمتطوعين والانفتاح على الآخرين» (وكانت هذه إشارة صريحة إلى الطبيعة الطائفية لتلك الميليشيات)، كما جاء في على الموقع الرسمي للعتبة الحسينية. لكن هذه العبارة حرفت مرة أخرى؛ ففي المؤتمر الصحافي الذي أعقب هذا اللقاء، قال السيد حيدر العبادي بالحرف إن المرجع الأعلى «أكد على ضرورة الاهتمام بالمتطوعين والحشد الشعبي وضرورة الانفتاح على الآخرين»، والمفارقة هنا أن بيان العتبة الحسينية نفسه نقل كلام العبادي من دون أن يعترض على هذا التحريف، لتستمر هذه السردية المزيفة بالهيمنة على المجال العام خلال السنوات الماضية، ولم نجد بعد ذلك، اعتراضا صريحا أو ضمنيا للسيد السيستاني عليها، أو محاولة رفضها أو تصحيحها، مع معرفته الكاملة بأن الغالبية العظمى من هذه الميليشيات لا تقلده من الأصل، وبالتالي فهي ليست ملزمة بالفتاوى التي تصدر عنه، وأنها تقلد الخامنئي بوصفه نائب الإمام الغائب، وهي ملزمة بالطاعة المطلقة له!
وما يثبت هذا القبول بالأمر الواقع، أن السيد السيستاني هو نفسه لم يلتزم بفتواه، وذلك بقبوله تشكيل العتبات المقدسة ميليشيات مسلحة تعرف باسم «حشد العتبات» (اليوم هناك أربع ميليشيات تتبع العتبات مباشرة هي فرقة الإمام علي القتالية، وفرقة العباس القتالية، ولواء علي الأكبر، ولواء أنصار المرجعية)!
في مقال نشرناه في صحيفة «القدس العربي» في 31 كانون الأول 2020 بعنوان «الدولة الموازية ومسؤولية السيستاني» قلنا إن الميليشيات باتت تشكل دولة موازية حقيقية في العراق، وأن الفاعلين السياسيين الشيعة يستخدمون فتوى «الجهاد الكفائي» كغطاء شرعي لتلك الميليشيات، فضلا على الغطاء السياسي الذي يوفرونه لها. وأنه ليس ثمة حل سوى أن «يرفع المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني نفسه، الغطاء عن هذه الدولة الموازية، وبلغة صريحة وواضحة وغير قابلة للتحريف أو التأويل، فيحرجَ بذلك حماة الدولة الموازية من سياسيين وقصيري النظر، ويمنح الدولة/ الحكومة زخما للتعاطي معها بكل حسم، وبعكس ذلك على الجميع أن يتحمل مسؤولياته في الخراب الذي ينتظرهم»!
بعد تحول هذه الميليشيات من مشكلة داخلية عراقية، إلى مشكلة ذات طبيعة إقليمية، في سياق الحرب الأمريكية الإيرانية القائمة، خاصة بعد أن سلحتها إيران بالصواريخ والمسيرات،
واستخدمتها لقصف دول الخليج العربي والأردن وسوريا. وبعد الشروط التي وضعتها الولايات المتحدة الأمريكية على الحكومة العراقية بضرورة نزع سلاح تلك الميليشيات وتفكيكها. كان لافتا الحيادية غير المفهومة التي أبداها السيد السيستاني تجاه هذه المسألة، على الرغم من معرفته بأن فتواه هي التي شكلت، عمليا، الغطاء الديني والاجتماعي لها، والغريب أيضا، هو إصراره الضمني على الإبقاء على حشد العتبات وعدم إعلان نزع سلاحها أو تفكيكها! فلم يصدر عنه، حتى اللحظة، أي تصريح يدعم فيه موقف الحكومة في مواجهتها التي أصبحت علنية مع تلك الميليشيات/ الدولة الموازية، ولا يمكن التعاطي بجدية مع العبارات الدبلوماسية عن حصر السلاح بيد الدولة الذي ترد في خطب الجمعة في كربلاء والنجف التي يفترض أنها تمثل وجهة نظر السيد السيستاني، فهذه العبارة لا معنى لها على أرض الواقع، لأن هذه الميليشيات تعمل ضمن الحشد الشعبي الذي هو جزء من القوات المسلحة وبالتالي الدولة!
الموضوع الآخر الذي بات من الضروري طرحه، هو الحيادية المطلقة التي يبديها السيد السيستاني تجاه موضوع جرف الصخر، إذ لم يصدر عنه خلال السنوات الإحدى عشرة الماضية (تمت استعادة جرف الصخر من سيطرة تنظيم الدولة/ داعش في تشرين الأول عام 2015) أي تصريح أو إشارة أو تلميح لجريمة التغيير الديمغرافي التي تجري في جرف الصخر حيث يمنع أهلها إلى اليوم، من العودة اليها لأسباب طائفية بحت، وهي جريمة ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي.
في لقاء لي شخصيا مع أبو مهدي المهندس عام 2018، وكنا نتفاوض يومها على موضوع سحب الميليشيات من محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وكركوك، أكد لي أنه على استعداد للقيام بذلك باستثناء ثلاث مناطق هي: سامراء وطريق بغداد سامراء وجرف الصخر. قلت له أستطيع أن أفهم لماذا الإصرار على المنطقتين الأوليين، ولكني لا أستطيع أن أفهم هذا الإصرار على عدم الانسحاب من جرف الصخر، وبالتالي منع أهلها من العودة اليها، فهل الأمر مرتبط بقرار إيراني كما فهمنا من الدكتور حيدر العبادي، فقال لي إنه لا علاقة لإيران بهذه المسألة، هذا قرار السيد السيستاني!
ففي ورشة عمل حول «مسألة التمثيل السني في العراق» عقدها مركز كارنيجي للشرق الأوسط في بيروت في كانون الثاني 2016 قال الشيخ عدنان الجنابي شيخ عشيرة الجنابيين التي كانت تسكن جرف الصخر، أنه قابل رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي من أجل إعادة النازحين منها، فأخبره العبادي بأن هذا القرار ليس بيده وأن عليه أن يذهب إلى طهران لإقناع الإيرانيين بذلك، وقد كرر أياد علاوي هذه المعلومة في مؤتمر صحافي لاحقا!
بعيدا عمن نصدق هنا؛ العبادي أم المهندس، والمعطيات التي لدى كل واحد منهما، فقد بات هناك واجب ديني وأخلاقي على السيد السيستاني بتبيان موقفه من هاتين المسألتين، استمرار الميليشيات/ الدولة الموازية بغطاء الفتوى، واستمرار جريمة التغيير الديمغرافي القسري في جرف الصخر!