سأل البعض: ما هي فرص الحصري في الدولة العثمانية وهي آيلة إلى السقوط؟ والجواب: لو كان الحصري مؤمنًا حقًا بالتتريك، لكانت فرصه مع مصطفى كمال أكبر؛ لأن سقوط الدولة العثمانية كان سيخدم مشروعه أكثر من بقائها.
يظن البعض أن الشيعة كانوا أول المعارضين للحصري، وهذا خطأ كبير. فأول من عارضه كان (السني) محمود النقيب، ابن عبد الرحمن النقيب. ثم عارضه (اليهودي) ساسون حسقيل، وقد بينت في المقال أن سبب اعتراضه كان رغبة الوزارة في تمويل مدارس الطائفة اليهودية، في حين كان الحصري يصر على قصر التمويل على المدارس الوطنية. ثم عارضه (البريطاني) فارل، الداعم للمدارس المسيحية في الموصل، وتبعه (المسيحي) سليم حسون للسبب نفسه. وحتى الإيرانيين طالبوا أيضًا بتمويل مدارسهم من خزينة الدولة العراقية بحجة أن غالبية طلابها عراقيون.
ساطع الحصري هو من قاوم إلغاء دار المعلمين العالية، التي كان لها فضل كبير في صناعة نخبة المثقفين العراقيين.
ساطع الحصري هو من شجع التعليم باللغة العربية، إيمانًا منه بضرورة النهوض بها وتطويرها لتستوعب العلوم الحديثة، الإنسانية والطبيعية، ولولا جهوده لكانت العربية أقل قدرة مما هي عليه اليوم في التعبير عن المفاهيم العلمية والفكرية.
ساطع الحصري، المتهم بالطائفية، جعل كتاب هبة الدين الشهرستاني «التوحيد لأهل التوحيد» مقرراً لمادة الدين في المدارس العراقية.
يتصور البعض أن أزمة التيار الديني الشيعي الراديكالي مع الحصري انحصرت في كتاب النصولي وما ورد فيه من إهداء إلى أمراء بني أمية، مع أن الحصري اعترف بأن موافقته على طبع ذلك الإهداء كانت خطأ. لكن هذا التيار نفسه قاد مظاهرات صاخبة ضد الفيلسوف والمفكر المصري أحمد أمين بسبب كتابه «فجر الإسلام»، وكادت تلك المظاهرات أن تتطور إلى اعتداء على أحمد أمين والوفد المصري الضيف على الدولة العراقية. وهذا يدل على أن المشكلة لم تكن في كتاب النصولي وحده، بل في ذهنية محافظة كانت تتعامل مع كل قراءة تاريخية مخالفة بالرفض والتصعيد.
وفي الوقت الذي كان فيه التيار الديني الشيعي الراديكالي يعترض على الحصري ويطالبه بإنشاء مدارس طائفية، كان كبار مراجع الشيعة الإيرانيين يطالبون دولتهم بفتح مدارس إيرانية تُدرِّس أبناء الجالية تاريخ إيران باللغة الفارسية.
وكان كبار مراجع الشيعة الإيرانيين في النجف، وفي مقدمتهم السيد أبو الحسن الأصفهاني والشيخ النائيني، يأيدون رضا شاه في مشروعه لبناء الدولة المركزية (بما فيه وحدة التعليم باللغة الفارسية)، ثم بردت علاقتهم به قليلاً عندما اتجه إلى العلمنة وتقليص نفوذ المؤسسة الدينية.
ومع ذلك لم يصف أحد موقفهم بالانتهازية أو دعم القمع القومي، بل تغيرًا في الموقف تبعًا لتغير المشروع السياسي!
أما الحصري الذي أيد مشروع الدولة المركزية والتعليم الوطني فيكون انتهازيا وقمعيا وطائفيا!!