الرياض - سدن
تدخل الشراكة الاقتصادية بين السعودية وفرنسا مرحلة أكثر طموحاً، مستندة إلى قاعدة استثمارية فرنسية في المملكة تبلغ نحو 16.3 مليار يورو، ما يعادل 19 مليار دولار، فيما تتجه الرياض وباريس إلى توسيع التعاون بعيداً عن القطاعات التقليدية، نحو الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والطاقة والصناعات المتقدمة والبنية التحتية.
وبحثت الطاولة المستديرة الفرنسية - السعودية، تحويل الاستثمارات القائمة إلى منصة لإطلاق مشروعات وصفقات جديدة، تتيح للشركات الفرنسية توسيع حضورها في السوق السعودية، بالتوازي مع تعزيز الاستثمارات السعودية داخل فرنسا وأوروبا.
ويأتي التحرك امتداداً لـالشراكة الاستراتيجية الشاملة التي وقعها البلدان نهاية 2024، فيما بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 10.1 مليار يورو خلال 2025، بارتفاع 7.2 في المائة عن العام السابق.
فرنسا رابع أكبر مستثمر
وتحتل فرنسا المرتبة الرابعة بين الدول المصدرة للاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة من حيث الرصيد، الذي بلغ 16.3 مليار يورو في 2024، فيما تعمل الاستثمارات الفرنسية عبر 651 ترخيصاً استثمارياً في 18 قطاعاً.
ولا يزال القطاع الصناعي يشكل العمود الفقري لهذا الحضور، إذ تستحوذ الصناعات التحويلية على نحو 60 في المائة من رصيد الاستثمار الفرنسي، لكن السنوات الأخيرة شهدت انتقالاً متسارعاً نحو مجالات جديدة تشمل الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية والتعدين والثقافة والصناعات الإبداعية.
ويستند الحضور الفرنسي إلى شركات كبرى تعمل منذ سنوات في المملكة، بينها «توتال إنرجيز» و«سانوفي» و«فيوليا» و«سويز» و«أكور» و«شنايدر إلكتريك»، فضلاً عن شركات تنشط في قطاعات الطاقة والنقل والمياه والصحة والبناء والضيافة.
مليارات سعودية تتجه إلى فرنسا
وفي الاتجاه المقابل، وسعت السعودية استثماراتها داخل فرنسا، إذ ضخ صندوق الاستثمارات العامة نحو 7.36 مليار يورو بين عامي 2017 و2024، وهي استثمارات تدعم نحو 29 ألف وظيفة.
كما توفر مذكرة تفاهم تمويلية بين صندوق الاستثمارات العامة و«Bpifrance»، تبلغ قيمتها نحو 8.56 مليار يورو، قاعدة إضافية لتطوير الاستثمارات المشتركة.
وتتجه الشراكة إلى مساحة جديدة أيضاً، مع بحث شركة القدية للاستثمار والحكومة الفرنسية إطاراً للتعاون لتطوير وجهة عالمية للترفيه والرياضة والثقافة في فرنسا، بما يعكس انتقال الخبرة السعودية في تطوير الوجهات الكبرى إلى الأسواق الدولية.
السعودية تجذب شركات المستقبل
ويشكل حجم الاقتصاد السعودي، الذي يناهز 1.1 تريليون يورو، إلى جانب برامج التنويع ضمن «رؤية 2030»، أحد أبرز عوامل الجذب أمام المستثمرين الفرنسيين.
وتدعم الرياض هذا التوجه بحوافز تمويلية وتنظيمية، إذ يوفر صندوق التنمية الصناعية السعودي تمويلاً يصل إلى 75 في المائة من تكاليف المشروعات المؤهلة، إلى جانب حوافز صناعية تصل إلى 35 في المائة.
كما أسست أكثر من 750 شركة عالمية مقرات إقليمية في الرياض، بينها 39 شركة فرنسية تعمل عبر ثمانية قطاعات، مستفيدة من حوافز برنامج المقرات الإقليمية، التي تتضمن إعفاءات ضريبية تمتد 30 عاماً للشركات المؤهلة.
وتعزز المؤشرات المالية جاذبية المملكة للاستثمارات طويلة الأجل، مع تصنيف سيادي عند A+ بنظرة مستقرة، واحتياطيات بلغت نحو 421.5 مليار يورو في حزيران 2026.
الذكاء الاصطناعي في قلب الشراكة
ويبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أكبر مجالات النمو المحتملة بين الرياض وباريس، مع سعي المملكة إلى بناء مركز إقليمي للتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
وشكل الاقتصاد الرقمي نحو 16 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي السعودي في 2024، فيما ارتفع حجم سوق تقنية المعلومات والاتصالات بنحو 89 في المائة مقارنة بعام 2017.
وتستهدف المملكة الوصول إلى 3 غيغاواط من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بحلول 2030، بينما بلغت سعة مراكز البيانات 440 ميغاواط باستثمارات تتجاوز 3.85 مليار يورو.
كما تجاوزت قيمة شراكات الذكاء الاصطناعي المعلنة 19.7 مليار يورو، بالتزامن مع توسع البنية السحابية الدولية داخل المملكة.
الطاقة والسياحة.. مليارات وفرص جديدة
ويظل قطاع الطاقة ركناً رئيسياً في العلاقات الاستثمارية، إذ تتجاوز قيمة مشروعات الشركات الفرنسية في قطاع الطاقة السعودي 16.3 مليار يورو، فيما تشارك تحالفات تقودها شركات فرنسية في مشروعات للطاقة الشمسية بقدرة إجمالية تصل إلى 11 غيغاواط.
وتتوسع الفرص لتشمل الطاقة المتجددة والتخزين والهيدروجين وشبكات الكهرباء، بالتوازي مع الفرص المتزايدة في السياحة، بعد تسجيل المملكة نحو 123 مليون زيارة خلال 2025، بإنفاق سياحي يقارب 69.3 مليار يورو، بينما تستهدف الوصول إلى 150 مليون زيارة سنوياً بحلول 2030.
وتكشف المؤشرات أن العلاقة الاقتصادية بين الرياض وباريس تتجاوز تدريجياً نموذج التجارة والاستثمارات التقليدية إلى شراكة طويلة المدى في الصناعات والتكنولوجيا والطاقة والاقتصاد الرقمي، مع قاعدة مالية واستثمارية ضخمة تمنح البلدين فرصة لتحويل «اقتصاد المستقبل» إلى المحرك الجديد للعلاقات السعودية - الفرنسية.