بغداد – كتب: المحرر السياسي
حمل التحذير الأخير لرئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي من محاولات إشعال "حرائق" في المشهد العراقي أكثر مما تقوله عباراته المباشرة، خصوصاً أنه جمع في تصريح واحد بين ثلاث ملفات شديدة الحساسية، هي: حصر السلاح، ومنع المواجهة بين الدولة والفصائل، ورفض تغيير حكومة علي الزيدي أو إسقاطها.
وبقراءة ما وراء السطور، يبرز سؤال سياسي لم يطرحه المالكي صراحة: لماذا احتاج أحد أبرز قادة الإطار التنسيقي إلى التأكيد أن الإطار يدعم استمرار الحكومة ويرفض إسقاطها، في وقت لم يعلن فيه رسمياً عن مشروع سياسي لتغييرها؟
مصادر ومراقبون يتعاملون عادة مع مثل هذه التصريحات باعتبارها رسائل استباقية، ولا سيما عندما تصدر في مرحلة يتصاعد فيها الضغط لحسم ملف السلاح خارج الدولة.
من يريد إشعال (الحرائق)؟
جاء استخدام المالكي لكلمة (الحرائق) بدلاً من الحديث عن خلافات أو أزمة سياسية ليرفع مستوى التحذير بصورة لافتة، فالمالكي تحدث عن "محاولات لإرباك المشهد السياسي"، قبل أن يشدد على ضرورة معالجة حصر السلاح بعيداً عن التصعيد والمواجهة، بما يفتح الباب أمام قراءة مفادها أن الرجل يخشى سيناريو يبدأ باحتكاك بين الحكومة والفصائل، ثم يتوسع أمنياً وسياسياً إلى درجة تهدد استقرار الحكومة نفسها، وبهذه القراءة، فإن الخطر الذي يحذر منه المالكي ليس خلاف الزيدي مع الفصائل بحد ذاته، وإنما احتمال دفع الطرفين إلى نقطة اللاعودة.
وقد تكون هناك، وفق هذه الفرضية، أطراف ترى أن المفاوضات والتسويات لن تكون كافية لإنهاء ملف السلاح، وأن الوصول إلى احتكاك محدود قد يمنح الدولة المبرر السياسي والأمني للانتقال من التفاوض على حصر السلاح إلى فرضه، والمالكي، على ما يبدو، يريد إغلاق هذا الباب قبل فتحه.
لن يكون شيعياً ـ شيعياً
أما العبارة الأكثر إثارة في حديث المالكي فجاءت عندما حذر من الاعتقاد بأن أي مواجهة محتملة ستبقى "شيعية ـ شيعية"، مؤكداً أن تداعياتها ستطال العراق ومكوناته جميعاً، في إقرار واضح بأن أي صدام كبير بين الدولة والفصائل يمكن أن يعيد تشكيل الاصطفافات العراقية، ويستدعي مواقف من القوى السياسية الأخرى، قبل أن تنتقل تداعياته إلى المستوى الإقليمي والدولي، وليس بعيداً عن ذلك حديث المالكي نفسه عن ضرورة بلورة "رؤية وطنية وإقليمية" تحول دون تعريض العراق للمخاطر، وهنا يبرز سؤال آخر: لماذا يحتاج ملف يفترض أنه متعلق حصراً بسيادة الدولة العراقية إلى "رؤية إقليمية"؟
الإجابة المباشرة تكمن في ارتباط بعض الفصائل وعلاقاتها الخارجية، لكن القراءة السياسية الأبعد تشير إلى أن التسوية النهائية للسلاح ربما لم تعد عراقية خالصة، وأن شكلها وتوقيتها وحدودها باتت مرتبطة أيضاً بحسابات إقليمية ودولية أكبر.
مع الزيدي.. ولكن ليس إلى الحرب
واللافت أن المالكي لم يضع نفسه في مواجهة رئيس الوزراء، بل فعل العكس تماماً، فقد أكد دعم الإطار لحكومة الزيدي واستمرارها، وفي الوقت نفسه رسم خطاً أحمر واضحاً أمام تحويل ملف السلاح إلى مواجهة، ويمكن اختصار الرسالة السياسية هنا بصيغة: نحن مع الزيدي، ولكننا لسنا مع الذهاب إلى الحرب، في معادلة تمنح الإطار مساحة سياسية واسعة، فهو ينفي عن نفسه تهمة العمل لإضعاف الحكومة، لكنه في المقابل يحملها مسبقاً مسؤولية أي خيار تصعيدي إذا تجاوز مسار الحوار والتفاهم، فإذا وقعت المواجهة لاحقاً، سيكون بمقدور المالكي القول إنه دعم الحكومة، وحذر من الصدام علناً، ودعا إلى معالجة الملف سياسياً.
رسالة إلى الفصائل أيضاً
لكن خطاب المالكي لا يبدو موجهاً إلى الحكومة وحدها، فالحديث عن الحوار ورفض المواجهة يوفر للفصائل بدوره باباً للخروج من الأزمة عبر تسوية سياسية، لكنه يحمل في الاتجاه المقابل تحذيراً ضمنياً لها، إذا رفضت جميع الحلول وذهبت إلى المواجهة، فسيصبح من الصعب تصوير ما يحدث لاحقاً باعتباره استهدافاً مفاجئاً لها، وهكذا يقف المالكي في منطقة وسط بين الطرفين، فهو يؤيد مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، ويرفض استخدام المواجهة لإنجازه، ويدعم بقاء الحكومة، ويحذر في الوقت نفسه من المسار الذي يمكن أن يقود إلى تهديدها.
السلاح أم الحكومة؟
لهذا قد يكون أهم ما في تصريح المالكي هو الربط غير المباشر بين ملفين كان يجري التعامل معهما بصورة منفصلة، وهما مصير سلاح الفصائل ومصير حكومة الزيدي، فالسيناريو الذي يبدو أن المالكي يخشاه يبدأ بتصعيد حول السلاح، يليه احتكاك أمني، ثم سقوط قتلى، واتساع المواجهة، وانقسام داخل الإطار والقوى السياسية، وصولاً إلى أزمة يمكن أن تضع الحكومة نفسها في دائرة الخطر.
ومن هنا تصبح عبارته عن رفض "تغيير الحكومة أو إسقاطها" أكثر أهمية من مجرد إعلان التضامن معها، فالمالكي لا يقول إن حكومة الزيدي ستسقط، لكنه يتحدث كما لو أنه يرى طريقاً يمكن أن يبدأ بالسلاح وينتهي عند أبوابها.
وفي العمق.. ربما لم يعد الخلاف العراقي يدور حول مبدأ حصر السلاح، فالمالكي نفسه يؤيده، والحكومة تتمسك به، وحتى جزء من القوى الشيعية بات يتعامل معه باعتباره مساراً لا يمكن تجاهله، وانما الخلاف الحقيقي ينتقل إلى من يحدد طريقة حصر السلاح؟ ومتى يبدأ التنفيذ؟ ومن سيدفع الثمن إذا فشلت التسوية؟
وبين هذه الأسئلة الثلاثة تحديداً، يمكن فهم "الحرائق" التي يحذر المالكي من إشعالها.