نيجرفان يرحّب والخنجر يُذكّر
ومحمد احسان يفكك التحول

نيجرفان يرحّب والخنجر يُذكّر
ومحمد احسان يفكك التحول

أربيل - سدن

لم يتوقف صدى إعلان حل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ودمج تشكيلاتها ضمن الجيش السوري عند حدود دمشق، إذ توالت المواقف المرحبة بالخطوة، من أربيل إلى بغداد، وسط قراءات ترى فيها تحولاً يتجاوز الملف الكوردي السوري، إلى إعادة تثبيت مبدأ الدولة الواحدة والجيش الواحد وحصر السلاح بيد مؤسساتها.

وفيما رحب رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني بالتقدم المحرز في عملية الدمج، مشيداً بالرئيس السوري أحمد الشرع ودور مظلوم عبدي في إنجاحها، رأى راعي المجلس السياسي الوطني العراقي الشيخ خميس الخنجر في الخطوة رسالة تتجاوز سوريا إلى دول المنطقة، وفي مقدمتها العراق، فيما وضع أستاذ القانون الدولي البروفيسور محمد إحسان التطور ضمن سياق سياسي وقانوني أوسع يتعلق بإعادة بناء الدولة والانتقال من شرعية التشكيلات المسلحة إلى الشرعية المؤسسية.

نيجيرفان: خطوة نحو أمن سوريا واستقرارها

ورحب بارزاني بالتقدم المحرز في عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن القوات الحكومية السورية، معتبراً أن تنفيذ الاتفاقات بين الجانبين يمثل خطوة مهمة على طريق تعزيز أمن سوريا واستقرارها.

وقال بارزاني، في تدوينة على منصة (إكس): "أرحب بالتقدم الكبير المحرز في عملية اندماج (قسد) مع القوات الحكومية السورية، والخطوات المتخذة لتنفيذ الاتفاقات المبرمة بينهما، وأرى في ذلك تطوراً مهماً نحو تعزيز أمن سوريا واستقرارها، وأدعو جميع الأطراف الكوردية ومكونات سوريا إلى دعم هذه الخطوات والمساهمة في إنجاحها".

وأشاد رئيس إقليم كوردستان بالنهج الذي اتبعه الرئيس السوري أحمد الشرع في إدارة الملف، قائلاً: "أثمّن عالياً وأشيد بالرؤية الحكيمة للرئيس أحمد الشرع، ونهجه المسؤول في معالجة القضايا بالحوار والتفاهم، وقيادته سوريا نحو مستقبل أفضل. كما أقدّر دور وجهود مظلوم عبدي في إنجاح هذه العملية".

وأعرب بارزاني عن تطلعه إلى استكمال عملية الدمج لتكون مدخلاً إلى مرحلة سورية جديدة، تُصان فيها حقوق جميع المواطنين والمكونات، وتتجه خلالها البلاد نحو السلام والاستقرار والتعافي والازدهار.

الخنجر: رسالة دمشق وصلت إلى العراق

ومن بغداد، قرأ الشيخ خميس الخنجر، راعي المجلس السياسي الوطني العراقي، التطور السوري من زاوية تتجاوز حدود سوريا، معتبراً أن إعلان (قسد) حل نفسها ودمج تشكيلاتها ضمن الجيش السوري يمثل "خطوة تاريخية" على طريق استعادة الدولة سيادتها وتوحيد مؤسساتها.

وقال الخنجر إن إعلان (قسد)، حل نفسها ودمج تشكيلاتها ضمن الجيش السوري، خطوة تاريخية تفتح الباب أمام استعادة الجارة الشقيقة سوريا سيادتها الكاملة، وتوحيد مؤسساتها الأمنية، وإنهاء السلاح والعناوين الموازية للدولة، بما يحفظ حقوق السوريين بكل مكوّناتهم ضمن دولة وجيش وطني واحد وقانون يسري على الجميع.

وربط الخنجر بصورة مباشرة بين ما جرى في سوريا والملف العراقي، قائلاً إن "ما تحقق في دمشق بإعلان تفكيك قسد وحصر سلاحها بيد الدولة السورية يبعث برسالة واضحة إلى دول المنطقة وفي مقدمتها العراق: لا طريق إلى السيادة والاستقرار والتنمية إلا بحل التشكيلات المسلحة، وحصر السلاح بيد الدولة، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت راية الجيش والمؤسسات الدستورية".

وأضاف أن "هذه اللحظة السورية العظيمة تحمل إلى جوارها القريب رسالة لا تحتاج إلى كثير من الكلام: أن السلاح حين يعود إلى الدولة لا يفقد أصحابه كرامتهم، بل يستعيد الوطن هيبته، وأن حل التشكيلات المسلحة ليس انكساراً، بل انتصارٌ للعقل على الفوضى".

وبارك الخنجر للشعب السوري الخطوة، معرباً عن تطلعه إلى أن تكون بداية مرحلة جديدة، تقوم فيها دولة لجميع أبنائها، "قوية بسيادتها، موحدة بجيشها، وآمنة بقانونها".

إحسان: من منطق التشكيلات إلى منطق الدولة

وفي قراءة قانونية للعملية، قال أستاذ القانون الدولي البروفيسور محمد إحسان لـ(سدن) إن دمج قوات (قسد) في المؤسسات العسكرية والأمنية السورية ينبغي النظر إليه باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء الدولة السورية وترسيخ مبدأ وحدة السلطة والسيادة، وليس مجرد ترتيب عسكري بين دمشق وقيادة (قسد).

وأضاف د. إحسان أن الدولة، من الناحية الدستورية والقانونية، لا يمكن أن تستقر مع وجود أكثر من مركز دائم للقرار العسكري، ولذلك فإن نجاح عملية الدمج يرتبط بانتقال القوات والأفراد من شرعية التشكيل المسلح إلى الشرعية المؤسسية للدولة، ضمن تسلسل قيادي واحد وقواعد قانونية موحدة تحدد الصلاحيات والمسؤوليات.

وأوضح أن الدمج الحقيقي لا يعني إلحاق قوة بقوة أخرى بصورة شكلية، ولا ينبغي أن يفهم بوصفه إلغاءً للهوية الكوردية أو لحقوق الكورد، وإنما باعتباره فصلاً بين الحقوق السياسية والقومية المشروعة من جهة، وامتلاك تشكيل عسكري مستقل عن الدولة من جهة أخرى.

وتابع أن التحدي الأهم سيكون في الانتقال من الاتفاق السياسي إلى البناء المؤسسي، فنجاح التجربة سيقاس بقدرة سوريا على إنشاء جيش وطني يمثل الدولة بكل مكوناتها، ويحتكر استخدام القوة وفق القانون، وفي الوقت نفسه يوفر للكورد وسائر المكونات ضمانات دستورية تجعل حقوقهم جزءاً من بنية الدولة، لا امتيازاً مرتبطاً بوجود قوة مسلحة.

وأضاف د. إحسان أن نجاح هذه العملية يمكن أن يشكل نموذجاً مهماً في إدارة مرحلة ما بعد الصراع، لأن التسوية المستدامة لا تقوم على غالب ومغلوب، وإنما على إعادة جميع القوى إلى حضن الدولة، وتحويل الخلافات من الميدان العسكري إلى المجال الدستوري والسياسي.

وأشاد البروفيسور محمد إحسان بالنهج الذي اتبعه الرئيس أحمد الشرع في إدارة واحد من أكثر الملفات السورية تعقيداً وحساسية، معتبراً أن ما أظهره الرئيس الشرع من مرونة وتفهم، واستعداده لمعالجة القضايا المتراكمة بالحوار والإصلاح بدلاً من فرض الحلول بالقوة، يعكس إدراكاً لطبيعة سوريا الجديدة وحاجتها إلى دولة تتسع لجميع أبنائها.

وأكد أن الخطوات الإصلاحية التي يقودها الشرع، ولا سيما في إعادة بناء مؤسسات الدولة وفتح المجال أمام تسويات وطنية مع مختلف المكونات، تؤسس لمفهوم مختلف للحكم يقوم على استعادة سلطة الدولة بالتوافق والثقة، وليس بمجرد إخضاع الأطراف لها.

ورأى د. إحسان أن تعامل الرئيس الشرع والقيادة السورية مع الملف الكوردي بهذه الروحية يمثل اختباراً مهماً لمشروع الدولة السورية الجديدة، ويحسب للرئيس الشرع أنه اختار تحويل قضية كان يمكن أن تصبح مصدراً لصراع طويل إلى فرصة لإعادة بناء الشراكة الوطنية وترسيخ وحدة سوريا ضمن إطار دستوري ومؤسساتي جامع.

وفي هذا السياق، أشاد البروفيسور محمد إحسان بالدور الذي أداه مظلوم عبدي في الوصول إلى هذه المرحلة، معتبراً أن ما يحسب لعبدي أنه أدرك في لحظة دقيقة أن مسؤولية القائد لا تقتصر على إدارة القوة في زمن الحرب، بل تظهر بصورة أكبر في قدرته على معرفة متى وكيف ينقل جماعته من منطق السلاح إلى منطق السياسة والدولة.

وأضاف أن عبدي تعامل بواقعية مع التحولات السورية والإقليمية، واختار التفاوض والتفاهم بدلاً من المغامرة بمستقبل الكورد في مواجهة مفتوحة، وهو قرار يحتاج إلى قدر من الشجاعة السياسية لا يقل عن الشجاعة المطلوبة في ساحات القتال.

ورأى إحسان أن نجاح عملية الدمج جعل من عبدي أحد الشخصيات التي ساهمت في إنهاء مرحلة من الصراع وفتح مرحلة جديدة للكورد داخل الدولة السورية، بدلاً من بقائهم على هامشها أو في مواجهة معها.