واشنطن - سدن
تنتقل المواجهة الأميركية مع إيران إلى مرحلة أشد ضغطاً، تجمع بين خنق اقتصادي وحصار بحري وحضور عسكري ثقيل في المنطقة، فيما استبعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في الوقت الراهن، العودة إلى المفاوضات مع طهران، مؤكداً في الوقت نفسه أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً.
وقال ترامب للصحافيين في البيت الأبيض إن إيران باتت في "ورطة كبيرة"، وإنها تواجه صعوبة حتى في دفع رواتب جنودها، مؤكداً أن الولايات المتحدة أزالت الألغام من مضيق هرمز وأن ملايين براميل النفط تعبره يومياً.
وأضاف أن واشنطن لا تريد التحدث مع إيران ولا تسعى إلى عقد اجتماع معها حالياً، مشدداً على أن انتقال التركيز إلى الضغط الاقتصادي لا يعني استبعاد اللجوء مجدداً إلى القوة العسكرية.
وتزامنت تصريحات ترامب مع تحسن محدود في حركة الملاحة عبر هرمز، إذ أظهرت بيانات (كبلر) عبور عشر سفن محملة بالسلع الأولية، الأربعاء، مقابل ثمان في اليوم السابق، فيما لا تزال الحركة أدنى من متوسط الأيام العشرة الأخيرة البالغ نحو 15 سفينة يومياً.
البيت الأبيض أكد بدوره أن المواجهة دخلت مرحلة تستهدف استنزاف قدرة إيران الاقتصادية بعد إضعاف قدراتها العسكرية، وقالت المتحدثة كارولاين ليفيت إن طهران أصبحت في "وضع ضعيف للغاية"، وإن وزير الخزانة سكوت بيسنت يواصل استخدام الأدوات الاقتصادية لتشديد الضغط عليها.
وأكدت ليفيت استمرار الحصار البحري وعدم وجود مفاوضات بين البلدين، معتبرة أن طهران لم تظهر حتى الآن جدية كافية للوصول إلى نتائج، فيما شددت على أن جميع الخيارات لا تزال أمام ترامب.
وقال وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث إن الضغط الاقتصادي يمثل حالياً الأداة "الأكثر إيلاماً" لإيران، لكنه أكد بقاء الضربات العسكرية ضمن الخيارات المتاحة.
وبحسب القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، جرى حتى 27 اب/أغسطس تغيير مسار 75 سفينة تجارية وتعطيل ثلاث سفن والصعود على متن سفينتين، ضمن إجراءات فرض القيود على إيران.
وفي موازاة ذلك، تستعد مجموعة حاملة الطائرات (يو إس إس ثيودور روزفلت) لانتشار يتجاوز سبعة أشهر في الشرق الأوسط، لتحل محل (يو إس إس جورج واشنطن)، بما يشير إلى أن واشنطن لا تعتزم تخفيف حضورها العسكري رغم انتقال مركز الثقل إلى الضغط الاقتصادي.
وفي الداخل الإيراني، بدأت تداعيات الحصار تظهر بصورة أكثر وضوحاً، بعدما أقر نائب الرئيس للشؤون التنفيذية محمد جعفر قائم بناه بأن القيود الأميركية تمنع إيران من استيراد الوقود، في وقت لا يستطيع فيه الإنتاج المحلي تلبية حجم الاستهلاك.
وشهدت محطات وقود طوابير طويلة ونفاد المحروقات من بعضها، بالتزامن مع اندفاع مواطنين إلى تخزين الوقود والمواد الغذائية خشية تفاقم النقص.
كما ظهرت احتجاجات عمالية في منشآت للنفط والغاز ومصانع، وفق تقارير صحافية، وسط تصاعد تكاليف المعيشة وتدهور العملة الإيرانية.
وتجاوز سعر الدولار حاجز مليوني ريال، بعدما فقدت العملة نحو 7 بالمئة من قيمتها خلال أسبوع، بينما سجلت متاجر في طهران نقصاً مؤقتاً في مواد أساسية، بينها الأرز وزيت الطهي، نتيجة زيادة الطلب والتهافت على الشراء.
ورغم إغلاق واشنطن باب التفاوض المباشر حالياً، تتواصل محاولات إقليمية لإعادة فتح المسار الدبلوماسي، إذ حمل رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى طهران دعوة لاستئناف الحوار، مع التشديد على ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.
وبحثت الدوحة إطاراً مرحلياً لإنشاء ممر ملاحي مؤقت بالتعاون مع سلطنة عُمان، إلى جانب مشروع لتطهير المضيق من الألغام، بالتوازي مع جهود عُمانية وباكستانية لاحتواء الأزمة.
لكن طهران تواصل ربط ملف المضيق برفع الحصار والعقوبات الأميركية، فيما هدد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي بتصعيد عسكري إقليمي إذا استؤنفت العمليات العسكرية ضد إيران.
وبين الوساطات الإقليمية والرفض الأميركي للتفاوض حالياً، تبدو معادلة واشنطن أكثر وضوحاً، وتتمثل في إبقاء إيران تحت أقصى ضغط اقتصادي وبحري، وترك الباب الدبلوماسي مغلقاً إلى أن تقدم طهران ما تعتبره الإدارة الأميركية استعداداً جدياً للتفاوض، فيما يبقى الخيار العسكري حاضراً في الخلفية.