مداد

أنيش كابور المسافر بمراياه وأساطيره وألغازه

5 سبتمبر 2026
أنيش كابور المسافر بمراياه وأساطيره وألغازه

كلما ذهبت إلى معرض جديد لأنيش كابور تلح علي فكرة  عراقيته من جهة الأم التي هي من بغداد. أضحك من نفسي. لو لم يكن كابور هنديا أصيلا لما أغرق الصالات والمتاحف بالتوابل، روائح وألوانا وأصواتا تُسمع كما لو أنها غير موجهة لأحد بعينه وأشكالا لا تُرى إلا جزئيا بسبب هيمنتها العاطفية على المكان، على الرغم من أن حجومها الضخمة تسمح لها بأن تفلت من المعاني المباشرة التي غالبا ما تتعثر بها تجارب الفن المفاهيمي. فكابور مختلف عن سواه من مخترعي فن المفاهيم. لا يثرثر ولا يشرح غير أن خلاصاته يتطلب التعامل معها بصريا الكثير من الصبر لكي تُفهم. لا يمكن أن يتخيل المرء أن عملا يضيق به فضاء المكان هو عبارة عن شذرة يكفي الإنصات إليها للتماهي مع دلالاتها. في فنه يسعى الفنان المولود في مومبي عام 1954 إلى النظر إلى الأسطورة كما لو أنها واقعا ماديا ملموسا. أتذكر بوقه الذي احتل الرحبة اداخلية الواسعة لتيت مودرن. حين حاولت النظر إليه، ذلك لأن رؤيته كاملا ليست ممكنة بسبب ضخامته كنت أفكر ببوق إسرافيل وهو يوقظ الموتى ويعلن عن القيامة. أما حين وقفت أمام عمله مرآة السماء في شيكاغو فقد صرت على يقين من أن الرؤى الدينية لا تعكر مزاج كابور المعاصر بقدر ما تهبه فرصة لاجترح معجزات متخيلة. هذا فنان لا يخلق أعمالا من أجل مواساتنا ودفعنا إلى نسيان خطايانا بقدر ما يسعى إلى استعراض فضائحنا الروحية بعد أن يضعها تحت عدسة مكبرة. في هذا المعرض الاستعادي الشامل الذي يقيمه غاليري هيوارد بلندن يهينا كابور فكرة عن العمل الفني الذي لا يمكن استهلاكه عن طريق النظر إليه. عليك وأنت ترى أن تعيش التجربة. تجربة أن تكون ضئيلا في مواجهة سعة الفكرة التي تكرم حضورك وأنت تحاول أن تحصرها في خزانة مقتنياتك. وكما أرى فإنه ما من فنان أثث حياتنا المعاصرة بأشياء أسطورية مثلما فعل أنيش كابور.

ألغاز على طريق غامضة

أمن أجل الإبهار وحده كل هذه الأشكال الضخمة التي تحضر بطريقة صادمة، كأن يسقط جبل من الأعلى فنراه مقلوبا؟ مرآة بحجم بناية عالية وبوق يحتل مساحة ملعب. "لدي سلوك تلميذ مشاغب" يقول كابور ولديه رغبة في العصيان، عصيان ما هو متوقع من صور وعصيان رغبة الجمهور في احتواء العمل الفني. بتحديه حدود النحت التقليدي ورغبته في أن يتجاوز حدود التعبير يحول الفنان الحائز على جائزة تيرنر العمل الفني إلى مجموعة من الألغاز، كل لغز يعكف على أسراره. ولأن كابور في كل معرض جديد يقيمه يستعيد أعمالا سبق وأن انجزها في أوقات مختلفة فإن المعرض الحالي يضم أعمالًا من أشهر سلاسله. منحوتات مرايا فولاذية مثالية تتشوه وتتغير وتفقد معناها وأشياء غامضة مطلية بمادة فانتابلاك وهي المادة الأشد سوادا في العالم والمعروفة بخصائصها الاستثنائية في امتصاص الضوء، وفراغات تبدو بلا عمق تنفتح داخل المعرض، تجذبنا إليها بشعور مثير بالدوار. قبل أن يُفجع المتلقي بأن مغامرة النظر ستنتهي إلى جدار أملس فإنه يمر بسلسلة من الأوهام البصرية الممتعة التي تيسر له عملية الاستسلام. شعور المتلقي بفقدان السيطرة حين يقف أمام اعمال كابور إنما يبدأ من الإرباك البصري الذي يسببه اشتباك الاعمال الفنية بالمبنى. أين ينتهي العمل الفني وأين يبدأ المبنى؟ ما يفقد المتلقي الاهتمام به هو البحث عن معنى. سيكون ذلك لصالح التجربة. تجربة التلقي من غير هدف مسبق. ينجح كابور في تدريب متلقي أعماله على عدم الإضرار بمتعة التفاعل مع الفن من خلال تعليبها. ما اعتاد عليه كابور أن يقوم بأعمال صعبة لذلك فإنه يزج بالمتلقي في عمل صعب هو المشاهدة.

الثري المتعالي في مصنعه

منذ ثمانينيات القرن الماضي وكابور يتمتع بنوع مترف من الشهرة مهد لها بسلسلة من المنحوتات الهندسية الصغيرة المغطاة بأصباغ نقية وترسخت مكانته العالمية عندما مثّل بريطانيا في بينالي فينيسيا عام 1990. هناك، عرض حقلاً من أحجار رملية ضخمة، نُحت في كل منها ثقب أسود صغير هو عبارة عن فراغ متناهي الصغر. ثم واصل مسيرته الفنية فقام بحفر فراغات أكبر بكثير في أرضيات المعارض وابتكر أعمالاً فنية ذات أحجام متزايدة. صنع بالونات بحجم القصور (ليفياتان عام 2011)، وأطلق 12.5 طنًا من الشمع الأحمر بواسطة مدفع في زاوية من الأكاديمية الملكية (عام 2009)، وشكّل 1500 طنا من الفولاذ في منحوتة "أوربت"، التي كُلّف بها خصيصًا لدورة الألعاب الأولمبية في لندن عام 2012. إضافة إلى الجوائز التي حصل عليها فإنه كان واحداً من تسعة فنانين، إلى جانب كونستابل وشكسبير، وضعتهم حكومة المملكة المتحدة على جوازات السفر البريطانية في عام 2015.

وهنا علينا ألا نذهب مع التلميذ المشاكس في خيلائه. عند تركيب عمل "أوربت" انتقد بعض النقاد كابور بشدة لما اعتبروه "عملًا فوضويًا لا معنى له ولعبة للأثرياء". غرور كابور أفقده القدرة على رؤية تلك الكائنات الصغيرة التي تزور معارضه ويكتسب من خلالها أهميته. لقد حول الفنان الثري محترفه الفني إلى مصنع. في مجمع استوديوهات أنيش كابور الذي تبلغ مساحته 3100 متر مربع في جنوب لندن يجتمع المصورون والمساعدون وممثلو المعارض في غرفة اجتماعات بالطابق العلوي. لدى الفنان فريق عمل مكون من 23 شخصًا في لندن. 11 مساعداً في الاستوديو وتسعة موظفين في المكاتب وثلاثة عمال بناء، بعضهم يعمل معه منذ عقود.

كل الأعمال الضخمة التي نراها في المعرض هي من نتاج ذلك المصنع. "كل شيء من لا شيء" وهو عبارة عن مجسم أحمر قابل للنفخ ضخم للغاية بحيث لا يمكن رؤيته بالكامل من أية زاوية بالإضافة إلى "طقوس التكفير" وهو عبارة عن منحوتات أرضية تُشبه الدم والأحشاء تطفو في صوانٍ معدنية مصنوعة يدوياً. كما تُعرض أيضًا أعمال أيقونية، الفراغ الأسود المُحير في "الهبوط إلى المطهر" وجبل موريا عند بوابة الغيتو وهو جبل مقلوب يرتفع بضع بوصات فقط عن الأرض.

العصيان في خدمة الاختلاف

"هل هذا فن؟" يتساءل كابور وهويقصد فنه. في الوقت نفسه ينتقد نهج الحكومة البريطانية تجاه المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين. "التظاهر من أجل فلسطين غير قانوني؟ يا للعجب! عفواً، ما الذي أصاب الجميع؟ هل يتم اعتقالهم؟ إنه أمرٌ شائن. على مستويات عديدة، يتم تقييد قدرتنا على التعبير عن آرائنا. ذلك الأحمق في أمريكا، وذلك الرجل الحقير في الهند، وغيرهم، ناهيك عن إسرائيل. يا للعار!" ذلك ما صرح به للصحافة البريطانية مؤخرا.

يقيم كابور معادلة متوازنة بين سيرته الشخصية والموضوعات العامة التي يواجه تحدياتها. حين وصل إلى بريطانيا عام 1973 للدراسة في كلية الفنون (أولاً في كلية هورنسي للفنون ثم في كلية تشيلسي للفنون والتصميم) كان التباين بين هويته الحقيقية والتصنيفات النمطية التي خضع لها يشكل عائقاً كبيراً. فقد فُهمت أعماله المبكرة التي تميزت بالألوان البراقة من خلال منظور استشراقي يرتكز على تراثه الهندي. كما شكلت أصوله الهندية عائقاً بالنسبة للبعض عندما اختير لتمثيل بريطانيا في البندقية. وفي عام 2015 تعرض عمله المثير للجدل "الزاوية القذرة" الذي عرضه في فرساي للتخريب مراراً وتكراراً بكتابات فاشية ومعادية للسامية. "عنيف للغاية" ذلك وصف ملهم.

على جدار مرسمه كتب الكلمات الثلاث. الاختلاف والعصيان والرفض. يقول "قد يكون هذا موقفي الطفولي المشاغب تجاه الأمور. لكني أؤمن حقاً بأهميته. فالعصيان يسير جنباً إلى جنب مع الابتكار. إنه أمرٌ جذري وأعتقد أنه حيوي"

شارك المقال f 𝕏 in